رسالة من الاسير باسل الاسمر

2013-07-13 17:20:00

رام الله- شبكة راية الإعلامية:

فلم يقتصر على الرفيق ابو عنان وحده دخول السجن وأقبية تحقيقه, بل كانت العائلة بأكملها, الزوجة والبنين والبنات الكل بدون استثناء, ما يترتب على ذلك من تعطيل مدرسي وجامعي وتفويت سنين وفرص, فهذا الرفيق وأسرته مثال للأسرة الفلسطينية المتخندقة في الصف الاول دفاعا عن الارض والعرض والحرية دون توان او مواربة.
جلسنا على البرش الإسمنتي "ما يسمى سرير" نرتشف قهوتنا وننفث ارهاقنا في كل سحابة دخان, مغيرين بذلك ما بقي من روائح زنزانتنا الصدئة, القذرة, فلا نوافذها ألصغيرة المسيجة بالشباك قادرة على تغيير هوائها, ولا المرحاض معزول عنها وعن ساكنيها برائحته, فلا فتحات تهوية موجودة فيه, والتهوية المتاحة فقط هي اجواء الزنزانة وفضاءها والواضح من قذارة المكان ان من كان ساكنها هم من الجنائيين, فاعقاب السجائر متناثرة في المكان حتى الجدران تناوبت مع دور المنفضة, مخلفات الاكل المتعفنة تملأ زوايا الزنزانة, المرحاض حدث بحرج او بدون حرج, فهو كتلة خراء قد جفت هنا وهناك, وكانه عمل مقصود وابراء في الوساخة والتخريب, ذكرتني هذه القذارة بأيام التحقيق الطويلة, عندما كنت اعود من جولة التحقيق بعد منتصف الليل من مكاتب المخابرات بالمسكوبية الى زنزانتي التي تركتها في الصباح نظيفة, لاجدها وقد لطخت جدرانها وارضيتها بالخراء لدرجة انني في احد المرات وجدت الكاس التي وضعت لشرب الشاي فيها وقد لوثت هي الاخرى بكمية لا باس بها. ما كان مني الا قطع جزء من الغطاء القذر اصلا-وهذه الاغطية يجلبونها من مخلفات الجيش بعد اهترائها وتعفنها كوسيلة ضغط اضافية على الاسير – وتنظيف الارضية والجدران بها بعد رغي الصابون الذي كنت اخبئه عندما ياخذونني للحمام خارج الزنزانة والذي كان عند الساعة الثانية ليلا حين كنت استفيد من هذا الامتياز في النظافة, وكان يستفزهم جدا ان لا يؤثر في نفسي سلوكهم الحيواني ويستفزهم اكثر حين مشاهدة الزنزانة انظف من مكاتبهم.
تخدرت اجزائنا وعادت اطرافنا لمكانها بعد ان شردتها اهاويل البوسطة بفعل السجائر وكاسات القهوة الساخنة, وصار لزاما علينا تنظيف المكان ليتسنى لنا المبيت فيه خاصة انه اليوم الخميس وهذا يعني مكوثنا فيه ثلاث ليالي ونهارين, فوجب التخلص من كل قاذوراتها, ووضع باب قماشي للحمام فهو بلا باب, وهذا المذكور ما هو الا مقعد حديدي للتفريغ- تخيل ما احلى الجلوس عليه شتاءا- وماسورة تتوسط الحائط بخطين احداهما بارد والاخر ساخن في اشارة مجحفة للدش والاستحمام, هممنا برفع حقائبنا على  البرشين اليتيمين في الزنزانة وطلبنا مكنسة ومواد تنظيف من السهير المناوب فاجاب: 
- المستودعات مغلقة وما عليكم الا الانتظار للصبح.
بغضب هاتفناه:
- كيف بدنا نقعد او انام في هذه المزبلة المقصودة؟
باستمالة الاجابة اجاب:
- هذا الموجود وانا ما بقدر اعمل اشي.
تركته على باب الزنزانة, ما كان مني الا ان استغل احد فانيلاتي كاداة مسح وتنظيف, ولحسن الحظ كوننا منقولين فبالتالي بحوزتنا شامبوهات وصابون, فبدئنا بالتنظيف لكل شيئ, الجدران والارضية و"الجاكوزي" القذر , وانكب رفيقي ابو عنان لعمل باب قماشي سحري للحمام مضاض للنظر من اغطية الفرشات, اتممنا عملنا وقد شارفت الساعة على الواحدة والنصف, بعد ان غيرنا طعم ولون ورائحة المكان ما اضاف نوع من السكينة النفسية علينا, وهذا شيئ ذا اهمية للاسير فيكفي قتامة الاسر ونتانته على الجسد والروح, فعلى الاقل ان يكون المكان نظيف حتى لو كانت زنزانة, واي شيئ ضد سياسة ادارة مصلحة السجون الفاشية من الضروري عمله من ابسط المسائل الى اعقدها, فهذا بالضرورة يضرهم, تناوبنا على غسل وازالة عنااتنا  في الاستحمام, بعد ان صار بالمعنى المجازي عندنا دش بباب خرافي, ولكن بماء بارد لان الماء الساخن قد انقطع, فادارة العهر الصهيوني تقطع الماء الساخن في الساعة العاشرة مساءا, بارد في عز دين برد كانون بارد, ستحتل الهم ان نتخلص من صدأ البوسطة والاصفاد وما علق على اجسادنا من اوساخ وروائح اثناء سفرنا المقيت.
بعد انتهائنا من حفلة الاستحمام البارد استجبنا للسعات الجوع التي لم نعد قادرون على تجاوزها, بحثنا في حقائبنا على شيئ يؤكل, كنا قد احضرناه معنا للحظة من هذه النوع, فوجدنا بعض المعلبات القليلة المسموح حملها اثناء البوسطة, تناولنا عشائنا الاسري اربعتنا, بعد ان صرنا عائلة بحكم القضية والالم والمعاناة والمكان. واحتفظنا بالفارغ من المعلبات منافض للسجائر واستخدامات اخرى .
اخذنا نوزع المكان للنوم بعد ان انهينا عشائنا الملكي, فاثنين سيناموا على الارض والاخرين على الابراش, فالمكان ضيق جدا ولا يتسع انسانيا لاكثر من شخص, كان لا بد من استغلال جزء من ارضية الحمام حتى يتسنى لاحدنا ان يمد قدميه ويرتاح ولو نسبيا  بنومه وكان ذلك من نصيبي, فراسي بمحاذاة برش ابو عنان الارضي كونه كبير في السن, مصاب في اكثر من مكان وتكريما رمزيا من ثلاثتنا, مع العلم اننا بذلنا جهد كبير في ذلك وكان يقول" لست بافضل من احدكم وسانام على الارض", في المحصلة حصل كل واحد منا على فسحة لينام ويحلم بالحرية فيها على مزاجه, فكون قدماي في"الدش" علني احلم بالبحر!! وغرقنا في نوم عميق دون قطع مراحله الثلاث مباشرة..
حتى في الحلم لاحقني العدد...
قلت ذلك وانا اخال نفسي احلم في بكابوس, استدرت للناحية الاخرى رافضا اياها حتى في حلمي, الا ان يد رفيقي نادتني مرة اخرى بان اصحو لان عدد الصباح قد حان وقد اصبح ضابط العدد وسهريته على البوابة من الداخل للزنزانة دون ان نحس بهم عندما فتحوا الاقفال والباب ودخلوا , قال ابو عنان بصوت اعلى:
- اصحى يا رفيق عدد حقيقي مش حلم.. قوم يا رفيقي.
- لو عدد حقيقي ما بدي أقوم اوقف , شو بدهم يوخدوني عالزنازين, انا في الزنازين اصلا...
قلت ذلك ورجعت للنوم, وضابط العدد على الباب يستمع للحوار في استغراب وقلة حيلة ودون ان ينبس بكلمة, قال الرفيق ابو عنان:
- قوم يا رفيقي برضاي عليك, بلاش ينقلوك من عندي, وانا حابب اشوفك واحكي معك..
- عشانك بس بدي اوقف..
قلت ذلك وقد اوقفت موجة التحدي طمعا برؤية الرفيق والحديث معه, وقفت, قاموا بعدنا وانصرفوا.
في هذه الحالة عندما لا يقف الاسير على العدد حتى في الزنازين والمعابر يسجل هذا في ملفه كعقوبة مالية يدفعها من حساب الكنتينة على كل عدد لا يقف فيه مبلغ 350 شيكل بالاضافة الى عقوبة زنازين يقضيها في زنازين السجن الذاهب اليه وذلك قبل دخوله الاقسام, بعد ذهاب العدد والذي كان في الخامية والنصف عدنا للنوم وحيث لم ناخذ حاجتنا منه بعد, فانا لم انم منذ يومين باستثناء وقت قليل في البوسطة.
صحونا صحونا العاشر في العاشرة من يوم الجمعة- أي اليوم الثاني في المعبر – بعد صولات من الازعاج المفتعل من تسكير ابواب وفتحها وصراخ من قبل ادارة المعبار, وقد باتت اثار الرحلة المقيتة على اجسادنا من اوجاع هنا وهناك في تعضيل رياضي صباحي اجباري, بعد مبادلة صباح الخير في صباح يحمل كل شيئا لا الخير, رتبنا فراشنا الارضي على البرش العلوي كي يتسنى لنا الحركة في المكان وبدئ يومنا, وجدنا عند حذاء الباب فطورنا "الدسم" وتكون من حبة بندورة وخيارتين وعلبة لبن من الحجم الصغير, والتي لا تكفي لشخص في حالة "الرجيم" وبعض من الارغفة الصغيرة من خبز الامس,كان هذا الفطار لاربعة اشخاص بالغين عاقلين على الاقل بينهم رياضي, صرخت على السهير المناوب لحضوره وفي انتظار مجيئه خاطبت الرفيق ابو عنان والاسيرين الاخرين باستنكاري لهذا الاكل وقلت:
- طيب لو كان في الزنزانة اسيرين, رح يكون فطورهم نص حبة بندورة وخيارة ولحسة لبنة على خبزة... شو هالسفالة..
جاء السهير وباغته بسؤالي في اشارة الى وليمتنا الوافرة:
- شو هذا (بالعبرية)
رد باستغراب لمناداتي وسؤالي:
- فطوركم.
باستهجانة اكبر علقت :
- فطورنا !! ولك اللي قال انا عاملين حمية كذاب ابن كذاب..
بامائة من عينيه واشارات بيديه ولسانه اجاب:
- مش فاهم شو بدك؟
- شو بدي؟ بدي اتجيبلي "ميوه" عشان اسبح فيه, روح هات اكل.
رددت بغضب
- هذا اكل المعابر, ولما تروحوا على السجن بتوكلوا زي مبدكم...
اجاب في ياس.
تركته على الباب وذهبت حاملا ترويقتنا الصباحية الفاخرة والحقيرة معا, واخذت بعمل شيئ يؤكل من هذه التوليفة "الصحية" المقننة حتى البقاء احياء, فهي اقل من اسقاط واجب, قمت بتقطيع الخيارتان الى قطع صغيرة بواسطة غطاء احد معلبات الامس كسكينة, فهذه الشكل الاوحد والوحيد للسكينة داخل المعابر وحتى السجون فممنوع علينا اقتناء السكاكين وحتى البلاستيك منها لا للخضار على قلتها ولا للفواكه الموسمية على ندرتها- فبعض بل الكثير من الفاكهه سيئ شكله وطعمه – بحجة الامن, اضفت قطع الخيار الصغيرة الى علبة اللبنة على كيس بلاستيكي وخلطتها جيدا فصارت تحمل اللون الابيض المخضر من لوحة شهية – على الاقل هيك اقنعت نفسي واياهم – وقمت بتقطيع حبة البندورة الى ثماني قطع صغيرة لأزين بها محيط لوحتي,فاصبح المنظر هستيري بجماله كما لا اعتقد, دعوت رفيقي وزملائي الى الوليمة, اكلنا واكلنا ولم يسد ذلك جوع بعضنا الذي تراكم من يومين, ادركت وقتها سقوط المقولة الشعبية القائلة "اكل الصديق يكفي مئة صديق" لكنه لا باس فكأس من القهوة مع كم من السجائر كفيلان بسد شهيتنا, فالسجائر يؤنث دخانها فضاء الزنزانة والمعدة معا.
كان من الضروري ان ادخل الى الحمام واستخرج الكبسولات الاربعة وتنظيفها بالصابون والشامبوهات وكل ما توفر من منظفات على قلتلها, وهكذا فعلت, قرات اسماء السجون الذاهبة اليها هذه الكبسولات ولزوم وصولها بامان وسرية وكان مكتوب على ورقة صغيرة في اللفة الاخيرة من البلاستيك الشفاف اسماء السجون الذاهبة اليها, فوجدت احداها لسجن عسقلان والثانية لسجن ايشل في مجمع السبع والثالثة الى سجن النقب الصحراوي, سالت الاسيرين الزميلين في المكان والقضية الى اين انتم ذاهبان؟ ولم اسال الرفيق ابو عنان لانه ذاهب الى المحكمة وليس منقول من جهة, والرسائل الى هدريم مكان اعتقاله الحالي, اجاب الزميلين بانهم ذاهبان الى سجن عسقلان, قلت في نفسي" ها قد امنت واحدة يبقى ثلاثة, ساسال اسرى الحرية المتواجدين في زنازين المعبار على ان اجد من هو ذاهب لوجهات الكبسولات", ولكن هذا سيكون في ساعات المساء المتاخرة حينما تخف حركة السهرية وآمرو المعبار, اعدت لف الكبسولات بالبلاستيك بلفات اضافية جديدة كي يتسنى وضعها بالفم وبلعها من جديد اذا تعرضنا لتفتيش مفاجئ ومداهمة الزنزانة هذا من جهه, ومن جهه اخرى من اجل تسليمها للاسرى لحملها في فمهم وحمايتها اثناء ذهابهم الى السجون المطلوبة وارسالها لهم, وما ان انتهيت حتى اعلن في مكبرات الصوت في المعبار بان حان الان موعد عدد الظهيرة لنتحضر لذلك, وجاء العدد وانتهى كما جاء.
جلست بجانب الرفيق ابو عنان على البرش الارضي وقد حان الوقت لمعرفة ما سبب كل هذه الاصابات على الاقل الظاهرة منها, فمعظم الاصابع اليدين مبتورة, ويسمع باحد اذنيه بنصف قدرتها الطبيعية, ولا يرى جيدا بكلتا عينيه حتى مع نظاراته السميكة, وانفه وقد بتر قسم كبير منه, واثار ندوبات طويلة على الجبين, حفر صغيرة هنا وهناك على الوجنتين..
سالته --- بالكلمات والايمائات :
- شو سبب هالاصابات يا رفيق, صاروخ اباتشي وللا سيارة مفخخة, ولا عبوة جانبية وحطولك اياها بمدخل البيت, ولا بلفون ملغوم.. شو القصة يا رفيق؟
كل هذه الاساليب يستخدمها جهاز المخابرات الاسرائيلية "الشاباك" بمساعدة جيش الاحتلال الصهيوني في الاغتيال والتصفية لقادة وعناصر الفعل الوطني والاسلامي الذين يصعب عليهم اعتقالهم, او يكون هذا الفدائي قد اذاقهم امر الالوان, واعتقاله خيالا يشفي غليلهم فيصممون على اعدامه في المكان بدون أي محاكمة حتى لو كانت صورية, فاجهزة الاحتلال تعمد الى هذه الاساليب " لتصفية وتسكير الحسابات" كما يقولون.
ابتسم كعادته بل ضحك هذه المرة وقال:
- حدث ذلك في شهر اغسطس/اب 1985 واثناء عودتي لبيتي, وجدت دمية مركونة على بوابة بيتي من اسفل, فكرت ان احد اطفالي قد نسيها في الخارج, فما ان انحنيت والتقطتها وانفجرت, كانه كفا اسود حديدي لطمني في وجهي واخذ به تقطيعا بصوت فظيع اخذ يدق جدران مسامعي حتى احدث ثقوب فيها, كما احدثت هذا الصاعقة قطع بانفي بالكامل, احتاج لاربعة عشر عملية ترميم حتى تراه على هذه الشاكلة, تشوهات في وجهي وكامل جسدي وايضا احتجت عمليات كثيرة لابنيه هكذا, ناهيك عن عيناي التي امتلات بالبارود والشظايا, ولحسن حظي انها لم تقلع من مكانها, ولكن تضررت ببعض الجروح التي اضعفت نظري كثيرا, وهذا مبرر النظارات السميكة, من شدة الالم في وجهي لم اشعر بان اصابع يدي قد بترت اغلبها, ولكن شعرت بعدم جدوى اصابعي حينما حاولت اقفال نافورة الدم المتفجرة من مكان انفي ووجهي, حيث كنت اضغط بيدي على مكان النزف الا انه استمر في التدفق كاني لم اضع شيئا متجاوزا مكان اصابعي الافتراضي, علمت باني فقدت اصابعي بعد شهرين من العناية المكثفة, وبقيت في وعيي ولا افهم ما جرى وما يجري معي ومن حولي قرابة الدقيقة, شعرت باختناق ورغبة في العطس لا بسبب الدم والدخان ورائحة المتفجرات الممزوجة بالدم فحسب, بل كان هناك شيئ يسد حلقي, واضاف من اجل ان نضحك, يا رفيقي لو تعرف شو اللي كان مسكر مجرى التنفس عندي؟
سالته باهتمام وترقب, اجاب:
- عندما اخذت في موجة سعال هستيرية وقد شعرت انني ساختنق, خرجت بعد موجة سعال قطعة كبيرة من انفي ولا ادري كيف بلعته وكيف قطع – امسكت نفسي عن الضحك ففشلت وانفجرت في موجة ضحك هستيرية وقد وقعت من البرش وانا اضحك, ولا اعرف كيف يمكن يمكن ان يحدث ذلك – وعندما رايت هذا المشهد الذي لم استوعبه فقدت الوعي ودخلت في غيبوبة .
واضاف, تخيل لو زوجتي قد خرجت ومعها الاولاد قبل قدومي ماذا سيحل بها وبالاطفال الصغار؟ خاصة انهم كانو في ذاك اليوم مدعوين لخطبة احد الأقرباء ولسبب ما تأخروا ولم يخرجوا, وانا عندما ذهبت الى البيت لاغير ملابسي كنت اعتقد انهم ذهبوا, تخيل رفيقي لو لم اذهب للبيت او تاخرت, لكان من المؤكد انها ستنفجر بهم بمجرد فتح الباب وتحركت الدمية, لكان عند اذن قل قتلني جهاز الشاباك الف مرة, فاهون الشرور انه حدث الانفجار معي انا, فهذا الاحتلال بكل ادواته مجرد من أي انسانية, لا يفرق بين صغير او كبير امام هوسه الامني وانكساره امام الارادة والصمود الفلسطيني, تعرف يا رفيقي بان وقاحتهم وانسانيتهم فاقت كل حدود الفاشية والنازية معا ...
سالته في حب لمعرفة ادق التفاصيل:
اعرف هذا الشيئ ولكن كيف في هذا المقام؟
عندما افقت من غيبوبتي في مستشفى هداسا-عين كارم بعد خمسين يوم, كنت مكبلا في السرير واول ما رات عيناي خيال اشخاص يحيطونني من كل جانب ويدعون انهم من المخابرات الصهيونية "الشاباك" وينهالون علي بالاسئلة كان مما استطيع تذكره في حينه:
- اين كنت ستضع القنبلة التي كنت تعدها في البيت؟؟
وكأن من وضع القنبلة في الدمية على بوابة بيتي من المريخ, تخيلت اني احلم, وما قد رأيته وما سمعته ما هو الا كابوس, اتضح بانه حقيقة بعد عشرة ايام على زيارتهم الاولى في صحوي عندما قالوا لي:
- اننا جئنا من قبل عشرة ايام وادعيت انك عدت للغيبوبة.
وقد رددوا علي نفس السؤال وعندما لم اجب قالوا:
- الظاهر انو لا بد ان ناخذك عندنا صيف للمسكوبية, وهناك ادخل بغيبوبة زي ما بدك, لما بتصحى بتجاوب على راحتك.
وبالفعل يا رفيق اخدوني الى المسكوبية, وقد اخبرهم الدكتور الذي يتابع حالتي ان هناك خطر جدي على حياتي اذا تم اخراجي من المستشفى, الا انهم اخرجوني على عاتقهم كما قالوا لدكتور المستشفى في حينه – وهذا الاسلوب يعمدون اليه كثيرا حيث تكون الام الاسير في حالة الاصابة عامل ضغط اضافي في التحقيق لانتزاع الاعترافات منه – وعند وصولي المسكوبية ووضعوني في احدى الزنازين على شبه فرشة قذرة وكل جسدي مضمد ويرشح دما والما وقالوا:
- لما بدك تحكي نادي علينا وبتحكي القصة, وبعدين منعالجك.
واقفلوا باب الزنزانة وذهبوا, ما هي الا سويعات وقد زال اثار المخدر الذي كانوا يقدموه لي لتخفيف الاوجاع, وقد بدأ الم  فظيع من كل جانب وصوب من شدته فقدت وعيي, وافقت منه على سرير المستشفى من جديد ولا اعلم كيف وصلت وكيف عادت الاصفاد الى قدماي.
مكثت في المشفى ثلاثة شهور اخرى حتى زالت اوجاعي الجسدية, وبقيت النفسية في تشوهات كبيرة بعد عدة عمليات ترميم كانوا قد عملوها لي اثناء غيبوبتي بذات المشفى, بعد ان اطمئن هذه المرة رجال المخابرات بانه لا خطر على حياتي فيما لو اقتادوني الى التحقيق, اقتادوني للتحقيق ومكثت في الزنازين بحالتي ثلاثة شهور ولم ياخذوا مني حق ولا باطل الا السباب باقذع الكلمات وابشعها, وبعد ان ياسوا من افتراءاتهم واسالتهم اطلقوا سراحي وقالوا لي جملة معترفين بها بفعلتهم وما زلت اذكرها جيدا :
- المرة هذه فلتت من العقاب بس رح تقع في المرات الجاي.
فقد تعرض رفيقي لعشرات المرات للاعتقال والتحقيق لفترات طويلة, ولم يستطيعوا ان يثبتو عليه شيئ لصلابة وقوة عزيمته فهو مدرسة بالصمود والتحدي, فقرروا تصفيته والتخلص منه مرات عدة, الا انهم فشلوا وها هو اليوم معتقل بارادة من فولاذ وعزيمة لا تلين وانتماء لا ينضب, بقي وسيبقى المنجل في حلوقهم.
جاء العشاء بنفس الكميات المقننة كما في الصباح مع فارق بالنوع, اكلنا في جو اسري كالمعتاد وكاننا نجتمع على "منسف" وافر باللحوم من الجوع , وبعدها جاء العدد المسائي واقفلت الزنازين بالاقفال في السادسة واطفئ نورها في اشارة ان ناموا.
ما ان جلست في ركن بعيد عن مرمى باب الزنزانة, حتى جاء صوت انثوي يتردد في فضاء الزنزانة على مسامعي "اسمر باسل" قلت في نفسي "عيون ربه باسل" وقفت استطلع هذا الصوت الانثوي الذي يردد اسمي كانه في الخطوط الامامية في ساحة’ واذا بها سهيرة – سجانة – اقتربت اكثر من بوابة الزنزانة حد التصاقي بها (بوابة الزنزانة مش السهيرة) لفحني عطرها وانوثتها المبالغ فيها وهي واقفة على بعد نصف متر من باب الزنزانة فتسنى لي رؤيتها بالكامل, شعرت انها قد افلتت زاوية خفية في دماغي من الذهول, لعل الحرمان المدقع من المراة او غابة الذكورة الخشنة التي اعيش, او جمالها الاخاذ والذي احب السبب,  فكانت ذات جمال قلما تجد نظيره فهو خارق بمعنى الكلمة, فالعينان نرجسيتان صافيتين الا ان فيهما الكثير من المكر والشبق, اما انفها فيقترب الى انف قطة وديعة ذات ثلاث اسابيع, شفتاها حمراوان طبيعيات مبتسمات, كان شعرها اسود فاحم طويلا وكثيفا يغطي ظهرها, كتفيها وشيئا من صدرها, هي بيضاء كالثلج الساخن  اما جسدها فله تقاطيع انثوية بارزة تجلب الانتباه بشدة, فنهداها الجميلان يتزاحمان كاشفان عن شكلهما المكتنز, هما كليا الوجود كالقدر, يتعديان على الذكورة على بعد خمسة امتار- فكيف ما يفصلني عنها نصف متر مضاف اليها باب الزنزانة – تشعر بالنشوة لرؤيتها تمشي بسبب الحلزونات الدائرية التي ترسمها ردفاها الوافرة, فلها قامة رشيقة لا تحتوي على اونصة لحم لا لزوم  لها, بعبارة اخرى قصيرة تغنينا عن أي وصف اخر, انها فتاة تتدفق انوثة وجمالا ولذة, قلت في جدية مصطنعة واضحة وقد كابدت كثيرا كي لا اخرج ما في فمي من كلمات غزل ذكوري متناسيا ماهيتها:
- نعم, انا المذكور اعلاه (طبعا بالعبري)
قالت وكأن الكلام قد تسلل من اصابع قدميها مارا بكل طبقات عمارتها الانثوية الى شفاها:
- باسل, انت منقول على سجن نفحة يوم الاحد الساعة خمسة الصبح, كون جاهز.
حاولت ان اتصنع الامتعاظ والتكشيرة بحكم انها سجانة من جهه وبحكم العلاقة الندية النمطية بين الاسير والسجان الا ان ملامح وجهي خانتني – وهذا بان من ابتسامتها – وقلت بامائة من راسي وقد غابت الكلمات والاسئلة والاستفسارات من اجل اطالة الحوار, "بانه ماشي" ابتسمت عيناها باغماضة ناعسة خدرة اشبه بغمزة وذهبت.
احسست بان موسيقى "كارل اورف" تدق مسامعي باغنية "كورمينا بورانا" الماجنة التي قام بتلحينها قبل مئة عام بعد ان جمعها عن اشعار رهبان كانوا يعيشون في دير نائي بشمال اوروبا ثم مسهم الشبق والمتعة فانهمكوا في عذاباتهم وتركوا صلاتهم والفوا هذه الاغنيات المسرحية باللاتينية بنغمات بديعة من الايقاعات الكنسية المتوالية بادئا بمقطوعة منتهيا منها في اداء ملحمي مزلزل, موجهه للربة "فورتونا" اله الحظ والمتعة, اغنية اطارها مهيب وقلبها ماجن , قلت في نفسي " شكلها الربة فورتونا بعثت من جديد" او أني انسان فوق الطبيعي ومبالغ في انسانيتي انطلاقا من مقولة " ان علاقة الرجل بالمراة هي العلاقة الاكثر طبيعية بين الانسان والانسان والتي يظهر فيها الى أي حد اصبح انسانا" ماركس.
في هذه الاثناء كنت قد نسيت اني بزنزانة, ومعي اسرى فالتفتت الى الوراء دون ان اتحرك من مكاني وقد نسيت يداي ممسكة بشبك الباب, محاولا اخفاء تاثيرها علي ومتصنعا الجدية من جديد ولكن هذه المرة مع زملائي في الزنزانة, حيث كانت عينا الرفيق ابو عنان ترصدني وقد ادرك هذا التاثير فقلت في اعتراض على الاحتلال وادواته ولا اعرف كيف ركبت هذه الجملة: يا اخي كيف شوهوا الانوثة وجعلوها اداة قمع, شايف يا رفيق هالتناقض الجذري ما بين انوثة المرأة والوهيتها العشتارية وبين عملها كسجانة.
فقال مبتسما: تعال, تعال يا رفيق افلت الشبك وتعال اقعد حدي, وبلا عباراتك الكبيرة هذه.
واضاف لحظة جلوسي بجانبه وكان قد وضع يده اليمنى على كتفي وهو يضحك شو يا دون جوان منقول عنفحة؟
- اه والله يا رفيق منقول عايشل.
وبما انه انهيت جملتي حتى انفجر في موجة من الضحك هستيرية وقد حضنني وقال: على نفحة يا حبيبي, على نفحة, اسم الله عليك.
ان الاسير قبل ان يكون قضية وطنية بحد ذاتها فهو قضية انسانية بحته, من جانب ثاني لم ولن يفقد انسانيته ابدا, وان لفقدان المراة في عالم السرمد المليء بالحرمان اللامتناهي لعامل ضاغط اضافي وحقيقي على الاسير ونفسيته حتى لو احسن التاقلم والتعايش معه بفتح نوافذ جدية بالتواصل مع الخارج على صعوبتها اللوجستية والمكانيكية, وكسر اهم قواعد ومحددات الاسر وفلسفة مصلحة السجون والسجان التي تهدف الى عزل الاسير عن مجتمعه وتجريده من ارتباطاته الانسانية او جزء مهم منها بالخارج ووطنه, فالوطن ليس مجرد مال وبيت وجبال وأشجار وغيرها, هذه كلها اشياء مادية تذكرنا بالوطن, فالوطن شيئ اكثر بكثير لانه شيئ انساني وانتماء عميق لمواطنيه هو علاقات مجتمعية, ما معنى هذا الكلام؟ معناه ان الوطن ليس فقط ذاك المكان الذي يعيش فيه التجمع البشري الذي نطلق عليه وصف الشعب, او الذي تتوفر فيه للفرد مقومات الحياة الفردية منه ماكل مشرب وسكن بل انه نتاج الحياة المجتمعية لهذا الشعب – يشمل علاقة افراده ببعضهم البعض بشكل متواصل يومي مادي وروحي وفق قوانين ومقاييس وقيم اجتماعية لشعب تحت الاحتلال, لماذا يصر الكثير من ابناء شعبنا على تجريد الاسير من انسانيته وسلخه وطنه؟ لماذا يصرون على مساندة السجان بعصر الاسير وتجريده من زوجته وشريكة حياته ونضاله وملاذه الروحي والوجداني حتى لو من خلف الجدران؟ فبمجرد ان يعتقل المناضل الفلسطيني ويصبح يحمل لقب اسير يصبح شغلكم الشاغل التفكير في مصير شريكة حياته وما مستقبلها؟
ويصبح من الضروري من وجهة نظركم انتزاعها منه وتنهمكون في البحث عن أي ذكر ليقوم بالوظيفة الجنسية دون ان تشكي او تطلب على قاعدة المقوله الشعبية التي تعشعش في جيناتكم " ظل رجل ولا ظل حيطة" سبحان القرود فيكم,, سجان وطنيتكم وانتمائكم .. ما اشرفكم, كيف يتحول الاسير في عقولكم العفنة الى "حيطة" واعرف الكثيرين من هؤلاء منهم" مثقفين" وذوي مراتب حساسة في صفوف الحركات والاحزاب الوطنية والاسلامية واليسارية منها كي لا اجافي الحقيقة, يقدم لكم الاسير روحه وزهرة شبابه فداءا لحريتكم ودفاعا عن عرضكم وارضكم وشرفكم لتكافؤوه بخازوقا بتجريده شريكة حياته ليتلذذ عليه طيلة سنين اسره الطويلة, وبجردة قلم من وطنيتكم تشطبون انسانيته, ما اشرفكم ايها " المارون فوق الكلمات العابرة", ايها السجانون في ثوب النضال الفلسطيني..
لا بد ان اضيف وفاءا للحقيقة انه خلال فترة اعتقالي التي مرت التقيت بالكثير من ابناء الاسرى في زيارات الاهل, الذين تدمع لهم القلوب قبل العيون, كيف تشتتوا باعتقال ابائهم, كيف حرموا من امهاتهم, فبحكم انتماء الاب لوطنه ومواطنيه وارضه اعتقل, وزج في غياهب السجون, وبحكم اجدادهم انتزعت امهاتهم منهم على قاعدة الخرف الشعبي والانانية " خليها تشوف حالها " بدون أي وازع وطني واخلاقي او انساني, ومن الاسرى من كان مرتبط بدون اولاد, جردوا منه شريكة حياتهم ونضالهم حتى دون اعلامهم او معرفتهم, ويعرف الاسير بذلك بعد ان تكون شريكة حياته قد حملت من غيره – الذي يبدو حبو يعملو اله مفاجئة – ومن المفارقات العجيبة والوقحة على السواء عندما يطرح موضوع الاسير والاسرى في المحافل الاعلامية والبزارات الاجتماعية على هؤلاء تظهر ثقافتهم المثقوبة, ولا اعرف من اين تجيئ العبارات المقدسة التي يصفون بها الاسير, فتارة يكون نيشان على الصدور, وتارة يكون تاجا على الرؤوس, واخرى يهتفون له بالفداء بالدم والروح وعندما يتعلق بارتباطه بابنته او باخته ينزل من التيجان والنياشين الى اسفل الحذاء ليداس عليه!؟
كي اتخلص من الاحراج الذي كان يلفني مع الرفيق والموجودين بادرت في اقتراح بالسؤال من في المعبار علني اجد من هو ذاهب الى احد وجهات الكبسولات الباقية, خاصة وانه اصبح معلوم ذهابي الى سجن نفحة وبذلك أأمن واحده واخرى امنت الى سجن عسقلان فلم يبقى الا واحدة للنقب (وهو سجن مخصص للاحكام تحت العشر سنوات) والثانية لسجن ايشل في مجمع السبع.
القيت التحية على من في هذا القسم من المعبار المكون من عشرة زنازين متقابلة وسألتهم:
- في حدا طالع على السبع او النقب يا شباب ؟
اجابني احد الاسرى في الزنزانة رقم اربعة المحاذية للزنزانة المقابلة لزنزانتنا التي تحمل رقم ثمانية وقال انه " ذاهب الى سجن النقب الصحراوي" فقلت له:
- في معي امانة – في اشارة الى الكبسولة – بدي اتوصلها للنقب اذا في مجال..؟
- ولا يهمك بكل سرور, بس كيف بدك توصلني اياها؟
اجاب, وقلت له:
- هذه بسيطة اتركها علي لما تخف الحركة في المعبار, وانتظر اشارتي..
واجاب اسيرا اخر انه ذاهب الى ايشل ولكنه في زنزانة تسعة المجاورة لزنزانتي, كررت له طلبي الاول, فاجاب بنفس الجواب تقريبا وبنفس السؤال اجبته بنفس جوابي الاول, والقيت التحية وسالتهم ان كانوا يحتاجون لشيئ, سجائر او قهوة مثلا, اجابوا بالشكر, وذهبت لتحضير المرسال واداة ايصاله, بعد التشاور مع زملائي اجمعنا على ضرورة وجود خيط يزيد عن ستة امتار كون المسافة الفاصلة بين سرب الزنازين والاخر هي ثلاثة امتار ومثلها فارق مع الزنزانة المحاذية للزنزانة المقابلة لنا .
مطلوب ايضا اداة تربط في مقدمة الخيط ليتم دفعها بقوة من الفراغ المحدود بين اسفل الباب وارضية الزنزانة المقدر بثلاث سنتمترات, بحثنا في صحراء الادوات فلم نجد سوى فرشاة اسناني توفي لهذا الغرض ولتلعب راس الحرية وساعي البريد المتحكم به خيطيا, اخذت اسحب الخيوط من احد الاغطية واوثقها ببعض جيدا واتاكد مرات ومرات من متانتها كي لا تنقطع ويضيع كل تعبي في الحفاظ عليها طوال هذه المدة وكشفها والتقاطها من احد السجانين – اذا انقطع الخيط وبقيت في منتصف الطريق "اسمر" وهنا مصيبة المصائب, اكملت الطول المطلوب واوثقته جيدا بفرشاة الاسنان من احد اطرفه ومن الطرف الاخر واوثقت الكبسولة الاولى التي سارسلها الى زنزانة رقم اربعة والتي ستذهب الى سجن النقب وانتظرت هدوء الاجواء حتى ارسلها ما ان اصبحت الساعة العاشرة ليلا حتى هدئت الاجواء وصار لزاما بدأ العمل, فاعطيت الاسير في زنزانة اربعة الاشارة لان يستقبل صاروخي الارض ارض, وكنت في الوقت نفسه قد وضعت فرشاة الاسنان في الفراغ تحت باب الزنزانة وصوبتها بدقة باتجاه زنزانة اربعة, اخذت فردة حذائي وضربت مؤخرة فرشاة الاسنان ضربة قوية فاذ بها تنطلق كالصاروخ وقد اصابت الهدف بلمح البصر ودخلت زنزانة اربعة من خلال الفراغ نفسه من تحت بابها, واشرت ان يسحب الخيط بسرعة المثبت في طرفه الاخر كبسولة, ففعل من ثواني الى ان وصلت بسلام, ثم اوعزت اليه ان يقصف بدوره الفرشاة بنفس الطريقة ففعل فوصلتني وسحبتها بثوان وكاننا مدربين على ذلك منذ زمن, فالضرورة والحرص في اتقان العمل احكام حيث الخيارات الاخرى معدومة ان لم تكن مستحيلة.
بقيت كبسولة النقب وهذه تحتاج لاكثر من مسار حتى تصل فهي بجوار زنزانتي والتي تحمل رقم تسعة ويصعب قذفها بنفس الطريقة, فبالتالي وجوب ارسالها الى الزنزانة المقابلة التي تحمل رقم ثلاث ومن ثم ارسالها بشكل قطري كما في الطريقة الاولى, جهزت القذيفة الصاروخية الثانية وهممت بارسالها بعد الايعاز لزنزانة ثلاثة, بعد ان اوثقت بها كبسولة ايشل جيدا, فسمعت صوت حركة باب فتح على اسير فاخفيت صاروخي وخيطه, وبالفعل كان السهير في جولة تفقدية, والذي يبدو انه سمع حركة ارتطام في الممر, ولا اظن انه راى شيئا فالفرشاة تنطلق بالفعل بسرعة صاروخ والخيط بلون ارضية الممر الرمادية هذا من جانب, ومن جانب اخر لن يخطر في احلامه اننا نتواصل في هذه الطريقة الشيطانية , دار في المكان فبدى له كل شيئ طبيعيا فعاد ادراجه, وفي العادة يمر كل نصف ساعة في جولة تفقدية, وجوولته هذه قام بها في المعتاد.
اصبح من الضروري اخذ احتياطات امنية اكثر صرامة من ما كان معمول به قبلنا ورصد حركة السجان بشكل متقدم وادق, اخذت انادي على الاسرى في الزنازين رقم عشرة وواحد في اول المعبار بمحاذاة الباب الذي يدخل منه السهير وقلت لهم:
- بدنا همتكم معنا, تبعولنا شو احوال الطقس, بدنا نتفاعل مع هالشباب هان.
وذلك ان كان هناك سهير درزي مناوب لا يفهم ما يدور فردوا:
- نحن جاهزين والجو صافي.
نصبت فرشاتي على منصة الاطلاق, والمسافة هنا قريبة وسهلة مقارنة مع الاولى, فاطلقتها باتجاه زنزانة ثلاث فوصلت على الفور فسحبو الخيط بالسرعة نفسها, بعد ان اوعزت لهم باستقبالها, تبقى المرحلة الثانية من مسيرة الكبسولة الذاهبة لايشل, شرحت للاسرى في زنزانة ثلاثة  بصوت خفيض كيف العمل والتوجيه والاطلاق وهو بدورهم نسقوا مع زنزانة تسعة, وقبل الاطلاق من زنزانة ثلاثة , تاكدت من ان الامور سالكة والجو امن فسالت الاسرى في زنازين عشرة وواحد:
- اه يا شباب, كيف الجو عندكم؟
- صافي, صافي جدا ومناسب للسباحة.
وانضممت اليهم بالرصد بسمعي كوني لا ارى البوابة الرئيسية, وصرنا نعمل في خلية نحل فهكذا يكون العمل الجماعي بين الاسرى ويجسدون اسمى معاني التعاضد والتلاحم بالفعل وتحمل المسئولية الجماعية في مواجهة قوانين الادارة واجراءاتها, وادارة مصلحة السجون, فاعطيت لهم الاشارة بان يبدؤوا العمل بعد ان تاكدت من جهوزية الوضع لذلك, بالفعل اطلقوا الصاروخ الا انهم لم يصوبوا الهدف, فاوعزت اليهم في زنزانة ثلاث ان يسحبوا الخيط بسرعة ويعيدوا الكرة مرة ثانية طالما الجو امن, ففعلوا وفي المرة الثانية اصابو الهدف بدقة ووصلت الكبسولة الاخيرة بسلام, عندها تنفست الصعداء واعادوا الي بساعي البريد بنفس الطريقة لانظفه جيدا, ما استطعت والاستفادة منه لحين الوصول الى السجن وشراء غيره, شكرتهم جميعا على تعاونهم ووقفتهم الرائعة, مع تصبحون على وطن وحرية وودعتهم.
فرشنا فراشنا الرث وغطيناه باغطية فرشات كنا قد جلبناها معنا في استعداد لقلب الليلة الثانية من كتاب رحلتنا التي تحمل ما تحمل من صنوف المعارك والتعب وبارقات الامل, والمفاجئات فبعد رحلة العذاب نلتقي بصديق يدخل البسمة والعنفوان لقلوبنا رغما عن انف الالم, وبعد انقطاع شمس غد عن الاشراق يجيئ سجانك بغير قصد ليسقي فيك شجرة الامل وينفض الغبار عن احاسيس قد نسيها او تناساها لتصحي فيك الذكورة واللذة المستحيلة, عملنا وسائد مطاردين جبلية وكاننا في احدى مناوبات الحراسة التي تشح فيها مكبلات الانسانية وحساسيتها الطبيعية, فكل منا قد لف حذائه بشيئ من الثبات او احدى الاغلفة البلاستيكية فتكون وسادة تنطلق من فوقها الاحلام الوردية واحلام بالحرية, فكل نفس فينا لها فضائها التي تسبح فيه او كلها معا, فالمتزوج قد غادرت روحه المكان الى ملائكية اطفاله واشتياقاته لزوجته ان بقيت او انتزعوها منه, ترى هل هم جوعى ام بردا, كيف هي احوالهم ومدارسهم, ماذا يقول اقرانهم في صفوف دراستهم, ايعذبهم ان يذهب اطفال جيلهم بصحبة ابائهم دونهم, ايفتقدونني في صباحهم ومسائهم, واسئلة كثيرة تبدا باه وتنتهي بالم, وشريكة دربي وام اطفالي اتفكر بي, ام تناسيناها البعد؟ وطول المسافات, امحتاجة لشيئ عز بعدي عنها احضاره؟ ترى كيف هي لوحة شعرها على مخدتها الوافرة بالذكريات الجميلة والكثير الكثير من ما يخطر ببال احد ولا يخطر من استجابات للقدر, واخر يئن بقلبه كي تسمع نفسه لانتزاع حبيبته وشريكة دربه منه تتقاذفه الذكريات من النظرة الاولى الى المكان البائس الذي ال اليه انتمائه لوطنه وسوء طالعه الشرير, فقد تعاهدا على الزواج منذ كان حرا بجسده, منذ كانت بندقية الثائرين تزين كتفيه, وشاهد قبضته على الزناد, فافرشوا الغد بكل شيئ جميل ملؤوها بالاحلام التي ستتحقق يوما لا محال, انصهروا بنفس واحده حد التماهي, تعرفوا على ادق التفاصيل والخصل بنفسيهما, حتى ادق التفاصيل بيتهم وغدهم السعيد رسموها سويا, الالوان والمكان وحتى نبيذ الليلة الاولى قرروا ان يعملوه سويا على الطريقة الاسبانية مع لمساتهم الخاصة, فذاك العنب الاحمر التي ستهرسه قدما حبيبته الحليبية الملونة اظافرها بالعقيق الاحمر حتما سيتدنى منه نبيذا مسكرا للروح, كم عدد الاطفال ومن سيسميهم, وحياة يطول عيشها ويحتاجون لاكثر من عمر حتى تنضب احلامهما, تراهم اغصبوها لغيري؟ يسأل نفسه بدون ان يلقى جواب, انتزعها مجتمعنا الذكوري من احلامها ومن شريك روحها وجسدها ومستقبلها, وكل ذنبها ارتبطت بمناضل حمل هموم شعبه على اكتاف روحه ليكافئ بطعنات في الظهر والوجدان والصميم في مجتمع يؤمن او حتى لا يؤمن بالفكرة ليمارس ضدها حينما تدق الضرورة باب الحقيقة, لا يعرف كل شخص اقدم على فعل من هذا المجتمع المغترب عن نفسه وثوب النضال الفلسطيني انه رتق في اسفله, مارس سلطته الابوية بلغة التخت لابنته او لاخته وهدم "الحيطة" القابعة بالاسر, واستحق بكل جدارة وفق الاعراف الانسانية لقب "ستيري" (نصفه الاعلى بشر ونصفه الادنى بغل) ودخل الاسطورية في "انكيدوا" هذا الزمان الفلسطيني... ونمنا.
نباحهم الصباحي قطع علينا شريط احلامنا ونومنا اذانا بالعدد, ومن ثم جاء "القطار" وجرى ما تبقى من يوم السبت هو الثالث في هذه البقعة البائسة من العالم دون جدية او علامات تخرج عن اطار الحرمات والضيق او غير ذلك, وفي الثامنة مساءا تغير الحال بشكل دراماتيكي مفاجئ, اندفعت قوات من السجانين وضباتهم المدججين بالدروع واسطوانات الغاز والصفائح البلاستيكية – لتغطية منافذ شبابيك وطاقات ابواب الزنازين – وقد ملئوا المكان باعدادهم والمفاجئات واخذوا يغلقون كل منافذ الابواب الى الممر ويتراكضون ويصرخون ويطرقون الابواب في اجواء غير مفهومة ومنذرة بعواقب غير محمودة لحدث غير طبيعي قد يكون قام به احد الاسرى – كضرب سهير او ضابط واصابته بجروح بليغة او قتله – غاز.. غاز.. غاز, تعالت اصواتهم قرب ابواب الزنازين, وهذا بالطبع ليس لتنبيه الاسرى لذلك , بل من اجل تنبيه السهير المطبق  بلوحه البلاستيكي على منافذ الزنزانة, لكي يشيح بوجهه جانبا ويفسح مجالا صغيرا من لوحه البلاستيكي لخراطيم الغاز لتصب حقدهم من خلال شباك الزنزانة الى داخلها, ونحن نرقب هذا التطور بحذر ولا ندري ما حدث او ما سيحدث, الا اننا تحضرنا لاسوء الاحوال وارتدينا احذيتنا "بسطرنا بمفهوم الاسر" في استعداد لمواجهة مجهول سببها ونتائجها, ووضعنا خطة للدفاع وايقاع الخسائر في صفوفهم ايضا,  وكانت الخطة تقتضي اولا بمنع دخول الغاز للزنزانة وذلك يتأتى بحمل احد الفرشات البالية واغلاق باب الزنزانة بها من الداخل واخترت لهذه المهمة لاني اتمتع بجسد رياضي والمفترض انه قوي واعتقد انه كذلك, ورش الغاز هذا للسيطرة على الاسرى كخطوة تحضيرية للهجوم, فمنع دخول الغاز الينا كفيل بحفظ قوتنا للخطوة الثانية حينما يدخلون للاشتباك المباشر, وكي يضمنوا دخول الغاز في حال تم احكام الباب من الداخل بالفراش, يحضرون معهم قضبان معدنية مدببة الرؤوس ويقومون بادخالها من خلال الطاقات او شبك الشباك لتخترق ما يحكم الباب من فراش واسير معا , وتخيلو ماذا سيحل بالاسير حينما تدفع بقوة, لذلك نقوم بتثبيتها في مثل هذه الحالة بطريقة تضمن السلامة للاسير والابتعاد عن مرمى الطاقات والشبابيك وإحكام الغطاء بطريقة يصعب اصابة الاسير فيها, وفي حال تعذر القيام بهذه الخطوة يكون ذلك وبالا على الاسرى بداخل الغرف والزنازين حيث تقوم الاداة الحاقدة بضخ كميات كبيرة من الغاز من خلال الاسطوانات بالاضافة الى عدة قنابل غازية اخرى تلقى بداخل الزنزانة, فتخيلوا حجم الغاز وكثافته في هذه البقع والمساحات الصغيرة كم سيكون؟ ولكي لا يموت الاسرى تعمد ادارة مصلحة السجون الفاشية بعد التأكد من ان كل الاسرى بالداخل قد فقدوا الوعي أو شارفوا على ذلك الى القاء قنابل اوكسيجينية ويسهل السيطرة علىهم وضربهم وتكبيلهم بهدوء – فاي جبن هذا في مواجهة اسرى عزل – والجزء الاخر من الخطة كان يقتضي بأخذ الاسيرين الاخرين خط الدفاع الثاني على ميمنة وميسرة البوابة من متسلحين بالمعلبات الفارغة ليتدخلوا في حالة سقوطي وذلك بمحاولة ايقاع الاذى قدر المستطاع بالقوة الهاجمة حيث تثبت هذه العلب الفارغة بالايدي وبعدها يضرب اينما كان وخاصة على الوجوه المغطاة بالبلاستيك المقوى للوحدة الهاجمة طبعا, والرفيق ابو عنان في المؤخرة بعد جهد جهيد في اقناعه بذلك حرصا على سلامته فيكفيه ما فيه من علامات تركتها آلاتهم ومتفجراتهم الحاقدة وكحماية له قدر المستطاع .
وبقينا على اهبة الاستعداد للمواجهة وانتظار لحظة الصفر للمعركة, فلا سبيل للتهاون او التراجع والخنوع حتى لو كان كل شيئ ضدنا لن نستسلم او نسلم بدون خسائر في صفوفهم حتى لو كانت بكلمة " طوبى للذين يقولون لا, لان الارض لهم" باتشين – اديب صيني - , استمروا على هذا الحال اكثر من نصف ساعة وحالة الهرج والمرج قائمة, ونحن ثابتين في مواقفنا, حتى بدأ ضباب هذه الخطوة واجرائاتهم بالانقشاع, وان ما كان هو عبارة عن تدريب على حالة "تمرد" او ضرب ضابط أو سجان من قبل احد الاسرى, ومن جهة ثانية تنشيط للسجانين على حساب راحتنا والتي هي اخر همهم, وكانه لا احد موجود في هذه الاقفاص الاسمنتية..
اعدنا قطاعاتنا الحربية الى قواعدها من فراش ومنافض السجائر التي هي بالاصل معلبات فارغة, خفضنا حالة التأهب الى الدرجة فوق العادية, وكانت علامات المسرة ظاهرة على وجوهنا وكشفت عن نفسها اكثر من خلال ضحكاتنا, بعدم خوضنا المعركة الخاسر الوحيد فيها نحن لا سوانا, جلسنا نتسامر في جو بطولي حتى ذبلت اعين الجميع دوني, كون رحلتي في رحم المجهول حتى بعد ما علمت بوجهتي لسجن نفحة الصحراوي, إلا انهم لا يسلكون طريقا محدد بذاتها فقد نلف الدنيا قبل ان نصل محطتنا الاخيرة في اقصى جنوب فلسطين المحتل, فوجب الاستعداد لذلك.
عند الخامسة الا ربع صباحا جاء السجان واضاء الزنزانة – فهم المتحكمون بذلك (الاضاءة) – وابلغ المنقولين بضرورة الجهوزية لانه سيتم اخذنا عند الخامسة من الزنزانة, افقت الرفيق ابو عنان لوداعه فلا نعلم متى سيكون لقائنا الاخر, وتعانقنا على امل اللقاء في ظروف اكثر انسانية, مع سيل من الوصايا المتبادلة بيني وبينه, وسنلتقي, وجاءوا وكبلوا ايدينا من خلال الفتحة في اسفل الباب, ومن ثم اخرجونا لتبدأ المعزوفة المعهودة بصدى مقطوعة " ليلة القبض على فاطمة " ما بين تفتيش يدوي وتكبيل اقدام وتفتيش نظري ولغوي, ليرتفع صوت الاداء الاوبرالي في تفتيش جسدي وحقائب والكورال مستمر في ادائه عبر الابواب الالكترونية, ما بين سلم موسيقي وسلم الباص الا وانا في قفص المشاغبين في احد حافلات البوسطة, اصفق لنفسي وللثوار وحالي كقطعة قماش وقد اعيتها اسنان كلب من التفتيش والتنبيش والبهدلة في انتظار ان تمتلئ الفراغات المتبقية من اسرى الحرية والسجناء والجنائيين والوجوم, انتهت لحظة الانتظار وامتلات البوسطة بكل شيئ في الساعة التاسعة بعد ان كرهت نفسي في الانتظار والسأم, وبدأنا نعبر خطوط التفتيش كمن يعبر نفق في انتظار بقعة الضوء والهواء وطي صفحة هذه المحطة المقيتة الى ان خرجنا اخيرا من البوابة الزرقاء الضخمة, ويا لهذه البوابة تحديدا من ذكرى اليمة وحدث يدمي النفس والروح معا, حيث انه عندما كنت في سجن نيتسان الواقع في هذا المجمع القذر, في احد الزيارات للاهل حدثت فاجعة لنا وللإنسانية جمعاء, وكان ذلك بين عامي 2007-2008, عندما جائت طفلة كانت تدعى رفيدة برفقة امها لزيارة والدها, ولسبب لا نعرفه في حينه ولليوم قام حراس هذا المعبار بادخال العائلات بما فيهم الطفلة من البوابة الضخمة على خلاف العادة حيث يتم ادخالهم من بوابات صغيرة مخصصة للافراد وليس للشاحنات والباصات, ولا اعرف كيف لهذا الباب الكهربائي الضخم ان يغلق على الطفلة رفيدة دون ان يراها مراقب هذا الباب وهم معروفون بهوسهم بالرقابة الامنية لأدق التفاصيل من خلال الكاميرات المركبة في كل ناحية بما في ذلك نواحي هذه الباب, فمكثت اسبوع على اثر ذلك في المستشفى بالعناية المكثفة الى ان ارتقت شهيدة وشاهدة على فاشية هذا العدو بكافة ادواته, وحينما جاء الخبر لوالدها من خلال الادارة طبعا –فالاخبار السيئة فقط وتحديدا الموت ينقلونها للأسرى من خلال الصليب الأحمر حلت عند وصوله الخبر حالة من الحزن الذي عم المكان لا توصف ولا تعطيها حقها إلا الكلمات التالية قادرة ان ترسم لها صوره, فقد جائنا الحزن دون ان نعرفه بانه حزن, دون ان نتوقعه, لم نحسه حزنا بل وجعا في الصدر وعصرا بالقلب, الما دفينا في الروح والاحشاء, لمنا انفسنا على اثم لم نقترفه, على حروف لم ننطقها, ادخل ذاك الخبر حسرة في حياتنا لم ندركها ونحن واقفين مع والدها الذي لم تحمله قدماه عند سماع الخبر فقد كان اثقل من ان يبقيه واقفا فقد فجع كما فجعنا, وهو يحمل صورتها في ساحة السجن ودموعه تقطرنا وتقطرها, شعرنا بقطيعة مع الحياة, وقد توقفت عجلة حياتنا اليومية وتغير طعمها وطعم الهواء والماء, تغيرت ملامحنا في عيوننا, وامسينا لا نتعرف على وجودنا كالمعتاد, وكانه اكتشاف مفاجئ للموت في حزننا, مشهد مفاجئ في الحياة, اصبحت لحظاتنا اليومية عبث, فقد كانت موجات حزننا تشبه موجات الضوء الخاطف, اصبحت اجسادنا معها خفيفة وقد تحررت من الدنيا وحلقت في فضاء الحقيقة حتى اخذت تثقل وتثقل مثل قطعة من الصخر سقطت وكسرت معها المكان والزمان وكل شيئ..
وقد كتبت في ذلك المقام بعض الابيات الشعرية –ان صح تسميتها بذلك- ولكن ما انا متاكد من انها خرجت من كللي اليها بعنوان رفيدة :
رفيدة ...
جراح القلب ليس لها طبيب
وطبع السجن تغلبه الخطوب
تباطأت القوافي عن يراعي
وشيطان القوافي قد يغيب
جرير الشعر لم يدرك قريظا
وما ابقى من النثر الاديب
وآلمتني قيودا اقعدتني
ومن كان مكبلا  ان يجيب
زماني قد تسربل بالماسي
ودهري ليس يفهمه اللبيب
ففي يوم الزيارة شق قلبي
غداه جرى به قد عصيب
رفيدة...
ايا جرح في فؤادي
وطيفك في الشفائف له دبيب
ومثلك يفتدى لو كان يفدى
من المحن المقدرة الحبيب
ولكن المقدر لا ينحى
ولا ينجو من الموت الطبيب
مصابنا ليس ينفعه التاسي
ولا يغني منه الجزع المريب
قيود السجن لم تضعف يقيننا
وما نالت من الهمم الكروب
وسرنا والسير ليس باحمد , ا