مفاوضات الغموض البناء

2013-07-22 11:17:00

لم يستطع جون كيري رغم إصراره الكبير أن يحدث اختراقاً سهلاً على الطريقة التي يعتقدها الكثيرون بعد ست جولات في المنطقة التقى فيها مع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي أكثر من عشرين مرة، والتقى خلالها أيضاً مع اللجنة العربية سواء في واشنطن أو في عمان التي أصبحت محطة مهمة لتلك اللقاءات.
و لكن هذا لا يعني أن جون كيري قد فشل، وإنما هذا يعني أن العلاقات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي صعبة ومعقدة، وأن الطرفين الرئيسين في المشكلة لديهما تراكماً كبيراً جداً من التجارب الفاشلة التي تجعل المخاوف والضغوط تحيط بهما من كل مكان، وأن الصعود لفترة طويلة إلى الشجرة يحتاج إلى هبوط آمن لا يتحول إلى ارتطام كارثي.
و هذه هي بالضبط نقطة الاستعصاء الرئيسية، فلا أحد من الطرفين يريد أن يبدو أنه تراجع بالمجان، ولا أحد يريد أن يبدو أنه قدم تنازلاً دون ثمن واضح ومقنع.
و تبدو المشكلة الآن، كيف يتم استئناف المفاوضات بسرعة، دون سنوات طويلة أخرى، ارتكازاً إلى منهج لا يبدو فيه أحد الطرفين واقعاً تحت الاكراه أو الضغط أو الإملاء.
و لذلك رأينا الاتفاق على أن تنتقل المفاوضات إلى واشنطن بعد التحضير لها بشكل أكثر دقة وغموضاً، وهذا ما أعنيه بالغموض البناء الذي يتمثل في اقتراح صيغ يجد فيها كل طرف ما يقدمه لشعبه، ولمؤيديه ومعارضيه على حد سواء.
على أي قاعدة يمكن أن تدور المفاوضات غير تلك الشروط المسبقة للطرفين التي تبدو بسيطة وعادلة في مظهرها، ولكنها مستحيلة التحقيق في الزمن الموضوعي الراهن.
منذ نهاية العام الماضي حصل الجانب الفلسطيني على قرار بالغ الأهمية من الجمعية العامة وهو تصعيد فلسطين إلى دولة غير عضو في الأمم المتحدة بناء على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشرقية، وكانت الولايات المتحدة وإسرائيل تعارضان هذا القرار بشدة، بل انهما كانتا تعارضان أصلاً فكرة الذهاب إلى الأمم المتحدة!!!
و لكن رغم هذه المعارضة فإن مضمون هذا القرار المهم ظل هو الهاجس الموضوعي، لأن الجهود كلها تدور حول حل الدولتين، والمشروع الوطني الفلسطيني قائم في الأساس على أرضية دولة في حدود الرابع من حزيران.
وقرار الجمعية العامة وضع القاعدة والمطلوب هو الآليات للتنفيذ، وسارعت بعض الدول بتصعيد التعامل الدبلوماسي مع فلسطين على هذه القاعدة، وأصبحت فلسطين عضواً كاملاً في بعض منظمات الأمم المتحدة، وأصبح لها مجالات عمل لم تكن لها من قبل، وكلنا تابعنا الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة وإسرائيل حتى لا تتواصل تلك الآليات، وكان آخرها الطلب من الاتحاد الأوروبي بتأجيل قراره الخاص بالتعامل مع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، وقد انتهت مهلة التأجيل ورأينا القرار يصدر، دون ردود أفعال سلبية من الجانب الأميركي، الأمر الذي يشير الى أن الإتحاد الأوربي لا بد أن يكون قد نسق مع حليفته الولايات المتحدة حين تم الإعلان عن تنفيذ القرار قبل أيام قليلة.
و كانت اللجنة العربية طرحت في لقاءاتها في واشنطن فكرة تبادل الأراضي عن الحديث عن حدود الرابع من حزيران, فكيف يمكن حشد كل هذه النقاط الموضوعية في استئناف المفاوضات التي يريدها الجميع ولكن دون تفجير ضغوط داخلية.
هذه هي طبيعة العمل السياسي، كيف يتم إيجاد مخارج للمتناقضات المتصادمة؟
و كيف يتم إقناع كل الأطراف المتواجهة بأن لها مصلحة ما، مكسب ما في عودة الجلوس على طاولة واحدة للتفاوض؟
الموضوع أكبر وأعقد ألف مرة من التقاط الصور على وسائل الإعلام، أو الخروج بتصريحات مثيرة، وإعلان مواقف صاخبة، ذلك أن كل الأطراف حريصة على أن لا تفقد الفرصة، وعلى أن تبقى قيد التداول، وعلى أن تسجل حقائق على الأرض وليس تسجيل مواقف للتاريخ، وهذه هي حقيقة المشكلة.