مجتمع "العار" دافع للانتحار

2013-07-25 16:25:00

رام الله-شبكة راية الاعلامية:

تبا لمجتمع يدفع بأبنائه للانتحار بسبب امتحان التوجيهي. تبا لمجتمع لا يدرك قيمة الانسان ويستعصي عليه تفهمّ الحالة النفسية لجيل كل شيء في حياته حساس في مرحلة انتقالية بين المراهقة والبلوغ، وبين المدرسة وأولى خطوات الخروج للمصاعب الحقيقية للحياة، لواقع المجتمع وواقع الناس.

تبا لوزارة التربية والتعليم وتبا للمسؤولين وتبا لوسائل الاعلام وتبا للآباء والأمهات فجميعنا شركاء في رسم هذه الصورة النمطية عن النجاح والفشل. تبا للجهل الذي ينخر في عظام كبريائنا العقيم ويجعل من الطالب الناجح واجهة للمباهاة ومن الراسب عنوانا للمذلة ويغتال أحلام بل حياة الكثيرين.

تبا لهذا الضغط الاجتماعي غير المفهوم الذي لا مبرر له، والذي رسخ على شكل عادة بائسة، ولهذا الضغط النفسي الذي يقود الطلاب للانفجار وحد الانتحار وكأن الرسوب نهاية الحياة ومحطتها الاخيرة.

ليس العار في الرسوب بالامتحان ولكن العار بأن يصبح الامتحان أهم من الانسان، العار بأن نلاحظ الليلة احتفالات في بيوت وأنوار وظلام في بيوت أخرى تحمل "العار" دون مراعاة حتى للمشاعر.

المظاهر التي ترافق التوجيهي يجب أن تدفنّ قبل أن تعدم المزيد من الارواح، عدا عن النفسيات المحطّمة التي قد تطول معانتها.

يجب اجتثاث الظاهرة من جذورها الحمقاء، فليست هي بداية الطريق ولا نهايتها، وليست أكثر من مرحلة تجاوزها يوصل إلى بوابة اخرى من بوابات الحياة والرسوب فيها يحتمل التصحيح والانتظار.

ولا بد أيضا من الحفاظ على خصوصية الطلاب وعدم نشر اسمائهم لأنه من الغبن ومن التفاهة تحويل الشأن الخاص إلى شأن عام. من ينجح يحتفل في اطار أسرته إن أراد ومن يفشل يحصل على التوجيه اللازم والدعم المعنوي الكافي ليتمكن من النهوض من جديد.
يجب الخروج من قوقعة مفاهيم المباهاة والاستعلاء والاستعراض السائدة.

ما يحدث في فلسطين وفي الأردن أيضا مبالغ فيه فيما يتعلق بنتائج التوجيهي، وعلى المجتمع أن يصحو من سكرته وغروره وأن يرمي بسوطه جانبا وان يحتضن الراسب مثلما يحتضن الناجح.

أما الأمر الآخر فعلى المسؤولين والاخصائيين المبادرة لدور فعّال أكثر في تهيئة الطلاب نفسيا قبل الامتحانات وصدور العلامات، وتشخيص الحالات التي تعاني أزمات لا تمكّنها من احتمال الضغوطات الاجتماعية في حال الرسوب واعادة تأهيلها وتقديم الدعم اللازم لها.

هذا التشخيص من شأنه انقاذ حياة أبنائنا في مجتمع مريض يحمل ظواهر بغيضة ويحتاج لمزيد من الوقت حتى يخرج من أوهامه التي يركن اليها ويحتاج أصلا إلى اعادة تأهيل عام لتغيير الكثير من المفاهيم الخاطئة التي باتت قاتلة ليس في موضوع التوجيهي فحسب ولكن أيضا في سياقات أخرى.

في كل العالم يمر التوجيهي وما يوازيه من امتحانات بهدوء بشكل عام، إلا هنا كل شيء غريب مريب يتجاوز المعقول والمنطق. إلا هنا تصبح الخصوصيات شأنا عاما، إلا هنا يتحوّل المجتمع إلى كفنّ أسود ويصبح الامتحان بطاقة عبور إلى حفر القبور.