القراءة بالذاكرة
أقعدتني آلام الديسك المتجددة كل حين عن الحركة والانفلات في الجبال .. وأتاحت لي إكمال قراءة عدد من الكتب كنت بدأت تصفحها سابقا ولم أكملها .. أولها كتاب زميلنا المتخصص في علم العرفاتولوجيا نبيل عمرو وقد حضرت حفلي توقيع الكتاب (ياسر عرفات وجنون الجغرافيا) في عمان وفي متحف محمود درويش وحتى قبل قراءة ما خطه ابو طارق كانت فتافيت من اللقطات التي نقلها في كتابه قد رواها لي طوال سنين من الرفقة المهنية في الصحافة. وحتى عندما تقرأ الكتاب فانك انما تقرأ بذاكرتك وليس بعينيك وعقلك فكل من عرف الزعيم المؤسس تجده يعيد تمثيل المشاهد التي كتبها ابو طارق في ذاكرته او من ذاكرته، فثمة نواميس حركية واشارات ثابتة وعبارات مقتضبة ملازمة لعرفات في حالات معينة نكاد نحفظها غيبا .. فهو، أي عرفات، كثير الترحال لاضطراب جيوسياسي في حالته الثورية غير المستقرة على أرض صلبة ولعل نبيل عمرو كان موفقا في الالتقاط سواء في الجوانب التي سلط الضوء عليها او في دلالاتها المرتبطة بالعنوان او في ذاكرته المتقدة وقدرته على الوصف وهي سمة أضاعها ابو طارق ولم يوظفها روائيا بالمعنى الأدبي البحت، أي في أعمال روائية منفصلة عن التوثيق او التسجيل او المقارنة كما هو حال جنون الجغرافيا او الجغرافيا المجنونة ايضا. والكتاب ذخيرة حية للجيل الجديد الشاب الذي لم يعش زمن عرفات ويمكنه ان يتعرف عليه بسهولة من خلال سلوكه في المواقف الصعبة التي اجتازتها الثورة والقضية الفلسطينية وهو جدير القراءة والمراجعة كل حين لهذا السبب، لأنه يلخص الحالة العرفاتية والحالة الفلسطينية في تحولاتها المتعاقبة .. ثم انه يلامس مفاصل فلسطينية مهمة ما زالت قائمة ويمكن الاستدلال لها وعليها من تجارب سابقة. ولعل المؤلم في الكتاب هو الوصف الدقيق لمرحلة ما قبل الخروج من بيروت عندما كانت تجري مفاوضات الخروج مع المبعوث الاميركي فيليب حبيب عندما صار الناس يفرون من الشوارع اذا شاهدوا عرفات ماراً او يهجرون المباني اذا دخلها خوفا من القصف الاسرائيلي وهي حالة فرار موازية لحالة الحصار .. وهي تشبه حالة حصاره في المقاطعة عندما كنا نمارس حياتنا العادية وهو محاصر ولم تسول لنا أنفسنا سوى قرع الطناجر ذات ليلة وتكاد تقول ان الشعوب تخذل قادتها أحيانا.