ادوارد سعيد
"الكتاب الاخر الذي قدم ادوارد سعيد على نحو واضح هو "خارج المكان" الذي شكل صدمة ثالثة للغرب المتعاطف مع الصهاينة، وهو كتاب سيرة ذاتية يدور حول حياة ادوارد سعيد (الطفولة ،الشباب، التعليم الاكاديمي، الاقتلاع، المنفى، الوطن....الخ) "
وشكل هذا الكتاب قلقاً حقيقياً للصهاينة وكشف هشاشة طروحاتهم، وحالة الطوارئ المرضية التي يعيشونها (والتي اساسها عدم قناعتهم بانهم اهل البلد مع انهم هم اصحابها بالقوة في هذه الاونة) وصوّر ادوارد سعيد خوف الصهاينة وقلقهم بلغة الافكار الفلسفية التي ميزتها الاولى الغنى الشديد والمصداقية الازلية.**
بلى، ما زال ايلول عند الفلسطينيين أسود استهلالاً وخاتمة. دائماً يفجعهم وكأنه ساعي الاحزان، وناعي الأحبة، وبوم الأيام، دائما ايلول يولد الماسي ويوقد الفجائع،، ويفسح المجال للكوارث والبكاء لتصير ندوباً باقيات على ظاهر اليد الفلسطينية.
في ايامه الاخيرة تخطف ايلول واحداً من اهم الاسماء المفكرة في تاريخ الشعب الفلسطيني، تخطف ادوارد سعيد، طواه ايلول ضمن سطر من سطور دفتره الثقيل اسماً وحمولة، بعد صراع مرير مع المرض الذي داهمه وهو في ذروة عطائه الثقافي وأوج حضوره الفكري والعلمي وتصدره لقائمة مفكر العالم العقلانيين.
لم نعرف ادوار سعيد الا بعد عقدين من الزمن او ربما ثلاثة عقود وكانت معرفتنا ولا تزال ناقصة، عند رجل عزف عن المباهج والمغريات وراحة العيش، وحيّد نوازع الشهرة وغامر بمستقبله لكي يقول كلمة حق تجاه وطنه فلسطين.
أسباب عديدة وكثيرة حالت دون ظهور ادوارد سعيد بيننا على نحو مبكر كرجل صاحب مواقف وأفكار وآراء تقف وراءها ثقافة موسوعية غربلت ثقافات العالم جميعا فاصطفت خير ما فيها، وكأن كل ما قيل قبل ادوارد سعيد كلام ليل يدرك ولا يدرك، انشغل الغرب بافكاره وروحه العلمية وجهوده الحثيثة الهادفة الى تفكيك الافكار والنظريات والمستتبات من الرؤى...ليعيد صياغتها وفق الاسس الانسانية والاعتبارات النبيلة بعيداً عن الانفاس الاستعمارية الاستعلائية، وبعيداً عن همجية التقسيم الجغرافي والمقولات الإثنية والتوجهات الدينية، لقد راى العالم بعين دربت طويلاً لكي تمتلك حساسة الكشف، عين يقف وراءها عقل متبصر يقرأ ما استنبطته الدهور والاحقاب.
بداية المهمة كانت مع افكاره حول الاستشراق الذي قيل فيه الكثير، لكن مقولات ادوارد سعيد بدت وكأنها كتابة جديدة في حقل قديم، كأنها هي البداية الطبيعية وما سيأتي لن يكون سوى زخرفة وحسب! هذا الكتاب"الاستشراق" كشف عن بصيرة ادوارد سعيد الثاقبة، وعن عمق تفكيره وفهمه للعلاقة الإشكالية مابين الشرق والغرب. فقد بيّن المفهومات المغلوطة، وكشف عن وهم خلق الحواجز مابين الطرفين الشرق والغرب وحدد المفهوم بالاستشراق تحديداً دقيقاً، ووقف على التوجهات العدائية المزدوجة في النظرة تجاه الشرق والغرب معاً، وشرح مراميها وأهدافها، وقرنها بالامثلة والشواهد، ونقب في بواطنها وأشار الى الأيدى والعقول التي عملت عليها لتصير جوهراً في قابلية الاستهواء عند الناظرين الى الشرق والغرب من كلا الطرفين – تعزيزها بكلمة أخرى-.
لقد أزاح ادوارد سعيد عن (الاستشراق) الكثير من المعميات والمقولات الجاهزة بعد ان فحص السلوك البشري لدى الطرفين، وكذلك فحص المنتوج الادبي والثقافي الذي أنتجه الطرفان... ثم حبَر أفكاره بحيث صار كتابه الاستشراق مرجعاً بمقدور الذات العارفة ان تركن اليه في بابه بطمأنينة واسعة.
هذا الكتاب كشف بحق عن مفكر مهم، فأحدق هزة في تاريخ الكتب البشرية، صدمة في المجتمع الغربي فكتبت عنه مؤلفات صارت اليوم تشكل مكتبة كاملة، بل ان الكتب التي الفت في موضوع الاستشراق وتستند اليه تشكل مكتبة أخرى.
والكتاب الاخر الذي خلخل الحياة الثقافية الغربية وأحدث صدمة أخرى هو "الثقافة والامبريالية" وفيه يكشف ادوارد سعيد عن المهام التي بنيت عليها فكرة استعمار العالم، حيث وجد ان الكتاب والافكار والنظريات الاستعلائية هي التي فتحت الانظار ووجهتها من اجل استعمار العالم القوي للعالم الضعيف والذي أبقى مع تداول الايام القوي قوياً والضعيف ضعيفاً.
ادوارد سعيد الذي لم نشبع من رؤيته ومن احاديثه وافكاره ورؤاه يستعجل الرحيل مكرها فيمضي. كم نحن بحاجة اليه في هذا الوقت المصاب بلوثة الهشاشة والضعف، وكم هي خسارتنا كبيرة بفقده فقد كان مصنعاً حقيقياً للأفكار العظيمة التي لا ينتجها الا الكبار.