الولايات المتحدة : دولة داخل الدولة!
شهدت العلاقات الثنائية بين ألمانيا الاتحادية والولايات المتحدة خلافاً لم يحدث له مثيل منذ الحرب العالمية الثانية، حيث تم استدعاء السفير الأميركي في برلين، فيما سارعت مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل إلى الاتصال بالرئيس الأميركي باراك أوباما للاحتجاج، بعد حصول الحكومة الفدرالية الألمانية على معلومات تؤكد أن الهاتف المحمول للمستشارة الألمانية قد تعرض للمراقبة من قبل الاستخبارات الأميركية.
ورغم تأكيد أوباما على أن بلاده لن تراقب اتصالات المستشارة إلا أن احتواء الموقف لم يتم بعد، فقد هيمنت هذه القضية، حسب المراقبين، على اجتماعات مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل، لدرجة أن تقدمت ألمانيا وفرنسا بمبادرة وافقت عليها الدول الـ 28 الأعضاء، مفادها إجراء محادثات ثنائية مع الولايات المتحدة قبل نهاية العام، بهدف التوصل إلى حل يكون من شأنه منع تكرار مثل هذا النوع من الأحداث.
وفقاً لصحيفة "نيويورك تايمز" فإن تجسس الوكالة، قد بدأ منذ نحو عشر سنوات، وأنه طال أكثر من رئيس دولة "صديقة" بمن فيهم الرئيس المكسيكي السابق، الأمر الذي دفع المكسيك، الجارة الأقرب للولايات المتحدة للاحتجاج، في الوقت الذي تعكف فيه كل من ألمانيا والبرازيل على إعداد مقترح لتقديمه للجمعية العامة للأمم المتحدة تطالبان فيه بضرورة منع وإنهاء عمليات التجسس على الدول والمواطنين الذين يستخدمون الاتصالات الإلكترونية، وذلك بعد تعرض الهواتف الشخصية لرئيستي البلدين للتجسس الأميركي.
فرنسا بدورها وجدت نفسها في الدائرة أيضا، بعد ان كشفت "اللوموند" النقاب عن أن الاستخبارات الأميركية كانت قد جمعت نحو 70 مليون بيان هاتفي لمواطنين فرنسيين خلال 30 يوما فقط، بين كانون اول 2012 وكانون ثاني 2013 . أما دير شبيجل الألمانية فقد نقلت عن وثيقة سرية منذ عام 2010 ان فروع التجسس الأميركية موجودة في نحو 80 موقعا حول العالم بما في ذلك : باريس، مدريد، براج، روما وجنيف.
مئات من المواطنين الأميركيين شاركوا في مسيرة يوم السبت الماضي توجهت للكونغرس احتجاجا على برامج التجسس للحكومة الأميركية عبر الإنترنت، وشارك في المسيرة أناس من مختلف ألوان الطيف السياسي، من الليبراليين الى منتسبي حزب الشاي، وذلك للاعتراض على ما وصفوه تجسساً غير قانوني للحكومة على الأميركيين.
أما النار التي أخرجت الدخان فقد كانت وثائق قام بتسريبها المستشار السابق لدى الوكالة الأميركية إدوارد سنودن والذي كان قد لجأ الى روسيا في حزيران الماضي، والذي كشف عن برنامج التجسس المسمى " بريسم " الذي تستخدمه الوكالة للتجسس حول العالم .
لم يكن بمقدور الإدارة الأميركية ان تنفي حدوث عمليات التجسس، والتي أكدها المدير السابق للموساد الإسرائيلي داني ياتوم، حيث اشار الى ان واشنطن تتجسس على الحكومة الإسرائيلية أيضا، لمعرفة تفاصيل مواقفها من البرنامج النووي الإيراني ومن المفاوضات مع الجانب الفلسطيني، ولكن الغريب ان أوساط البيت الأبيض أشارت إلى عدم معرفة الرئيس الأميركي بحدوث مثل هذه العمليات، ما يشير الى أن الاستخبارات الأميركية أصبحت بمثابة دولة داخل الدولة، بعيدة عن عين الرقابة، من أي نوع، رغم وجود محكمة سرية منذ عام 1978 مكلفة الأشراف على برامج مراقبة وكالة الأمن القومي، بعد فضيحة "ووتر جيت" التي جرت في عهد الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، واتهمت حملته بالتجسس على حملة منافسه في الانتخابات الرئاسية عام 1970 جورج ماكغفرن، وادت الى استقالته من الرئاسة.
ما حدث هو أن كل شيء تغير بعد 11 أيلول 2001 حيث تم إقرار قانون "باتريوت أكت" حيث ألغيت مراقبة أجهزة الاستخبارات، أي أن هذا الكم الهائل من التجسس الأميركي على دول العالم، انما يجري بحجة مكافحة الإرهاب، وكأن أميركا سعت الى توظيف خوف العالم ورفضه للإرهاب، بمحاولة إعادة السيطرة والهيمنة، في ظل العولمة، من خلال قوتها الأمنية والاستخباراتية وليس من خلال قوتها العسكرية فقط، كما كانت تفعل في ظل الحرب الباردة، وكما تفعل الآن، حين يكون بمقدورها أن تفعل ذلك.
وإذا كانت مؤسسات الدولة الأميركية ترفع شعارات حقوق الإنسان، فإن الدولة الخفية، أي استخباراتها، إنما تحكم العالم من وراء ستار الدولة الأميركية / الواجهة، إلى أن يهب العالم بأسره، لمواجهة هذا "الكاوبوي" كما وصفت بالنص الحرفي مجلة فورين بوليسي السيد كيث ألكسندر رئيس وكالة الأمن القومي.