نتنياهو يتبنى علنا التوسع الاستيطاني
حتى وقت قريب كانت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة منذ الاحتلال تنفذ مشاريع استيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن تلك الحكومات لم تتبجح علنا بأنها تنفذ المخططات الاستيطانية، وكانت تلقي باللوم على جماعات ومنظمات يمينية متطرفة. صحيح أن العالم كله كان يعرف وما يزال يعرف أن تلك الحكومات هي التي تمول وتشجع وتحمي المستوطنات والمستوطنين، لكن الجرأة لم تكن تصل بتلك الحكومات حد التصريح أمام الدنيا كلها بأنها هي التي تبني المستوطنات، وتقوم بتوسيعها.
الأمر اختلف مع حكومة بنيامين نتنياهو الحالية : فقد صرح رئيسها، وفقا لمصادر إعلامية اسرائيلية خلال هذا الأسبوع بأنه أبلغ الفلسطينيين قبل بدء المحادثات الراهنة بأن اسرائيل لن تفرض على نفسها قيودا في مجال البناء الاستيطاني، وادعى بأن الجانب الفلسطيني يعرف هذا الموقف الاسرائيلي، على حد قوله.
وخلال الفترة الأولى من حكومة نتنياهو، وعقب الطلب الذي تقدم به الرئيس الأميركي باراك اوباما خلال ولايته الأولى بتجميد الاستيطان، كان موقف نتنياهو يتصف بالمراوغة والتملص، ولم يقل علنا بأنه ينفذ سياسة ممنهجة ومخطط لها لتوسيع المستوطنات. بل إنه في وقت من الأوقات أعلن أنه سيجمد الاستيطان لمدة ١٠ شهور، وإن كانت تقارير وسائل الإعلام الاسرائيلية تحدثت في حينه عن استمرار البناء الاستيطاني، وخصوصا في القدس، مضافا إلى ذلك استكمال بناء الوحدات الاستيطانية السكنية التي بدأ البناء فيها قبل دخول تجميد الاستيطان المزعوم حيز التنفيذ.
والحقيقة أن تشجيع الحكومة الاسرائيلية للاستيطان، وسكوتها عن اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين ومزروعاتهم وزيتونهم، ليس بحاجة إلى تصريحات علنية. فما تنقله وكالات الأنباء والمصادر الإعلامية الفلسطينية، وحتى الاسرائيلية، يتحدث عن نفسه.
كما أن أعداد المستوطنين، التي قاربت ثلاثة أرباع المليون، دليل صارخ على السياسة الاسرائيلية الرامية لتفريغ الأرض الفلسطينيين من المواطنين العرب، وتغيير طابعها الديموغرافي لصالح الاستيطان والمستوطنين.
والسؤال الذي يطرح نفسه على نتنياهو وحكومته هو :لماذا تجري محادثات التسوية السلمية التي تتواصل حاليا تحت الرعاية الأميركية ما دام الاستيطان سيستمر، وما دامت الأراضي الفلسطينية التي ستقام عليها الدولة الفلسطينية العتيدة تتشظى وتتفتت إلى مستوطنات تحاصر التجمعات السكانية الفلسطينية، وتحول دون أي تواصل جغرافي فيما بينها؟.
وأي دولة هي التي يمكن إقامتها في ظل التواجد الاستيطاني الذي أوجد بالفعل دولة أمر واقع للمستوطنين، وجعل ما تبقى من الأراضي الفلسطينية أشبه بالجبنة السويسرية ذات الثقوب الواسعة التي تزيد في حجمها عن المادة الأصلية؟.
غير أن تصريح نتنياهو يجب أن يكون جرسا يقرع في آذان القوى الدولية الصامتة عن الاستيطان، والتي كان بإمكانها منذ وقت طويل ليس فقط أن تمنع التوسع الاستيطاني، بل كذلك أن تقوم بإجراءات تكفل تصفية الظاهرة الاستيطانية، واجتثاثها من جذورها.
فهل تسمع القوى الدولية إياها هذا الجرس الذي ينذر بإنهاء المفاوضات، وما يسمى بعملية السلام، أم إن صمت القبور سيسود، كما ظل سائدا حتى الآن؟.