كيري .. الوثب بالزانة؟

2013-11-09 11:28:00

لم يحن الأوان بعد للتحقق من الظنون الآثمة بأن جون كيري يقود قناة تفاوض رئاسية ثلاثية، موازية لقناة ليفني - عريقات.
بعض الظنون غير آثمة، نظراً للقاءات مطولة يعقدها كيري مع رئيس السلطة ورئيس حكومة إسرائيل، وبعضها ماراثونية، تذكرنا بدبلوماسية هنري كيسنجر.
يتردد أن كيري سيطرح "أفكار تقريب" مطلع العام المقبل، أي التجسير بين تحبيذ الجانب الفلسطيني لمفاوضات حل نهائي (الوثب العريض) وتحبيذ قسم من الإسرائيليين حلاً انتقالياً (الوثب العالي) الذي هو دولة فلسطينية في حدود مؤقتة .. وفكرة كيري (الوثب بالزانة) اي حل متدحرج بين الانتقالي والدائم، بعد اقتراحات تجسير بينهما.
ما هي المعادلة بين الحل النهائي وذلك الانتقالي؟ لعلها في الحل النهائي هي كم تكون نسبة التبادل الجغرافي، واما في الحل الانتقالي فهي كم تأخذ سلطة الحكم الذاتي من المنطقة (ج).
الفلسطينيون يقترحون ترسيم حدودهم مع إسرائيل بتبادلات أرضية لا تتعدى الـ ١،٩٪ (أي حوالي ١٠٠ كم)، اما الإسرائيليون فيقترحون ان يكون مسار "الجدار العازل" هو مسار ترسيم الحدود، بما يعني، حسب نتنياهو، ضم ٩٪ من الضفة الغربية (حوالي ٤٥٠كم٢) إضافة الى وضع خاص لثلاث مستوطنات خارج الجدار، وهي: بيت ايل، بساغوت في محافظة رام الله، ومستوطنة نوكاديم جنوب بيت لحم حيث يقيم وزير الخارجية، المبرأ حديثاً، افيغدور ليبرمان من الفساد.
على ما يبدو، يقترح كيري التجسير بين الانتقالي والدائم، باتفاق مبادئ حول ترسيم الحدود وفق خطوط ١٩٦٧ خلال مهلة الشهور التسعة، اي الى غاية آذار او نيسان المقبلين، ولكن مع جدول تنفيذ متدحرج على مدى سنوات.
ماذا تعني عبارة "على مدى سنوات"؟ بالنسبة للفلسطينيين فهي تعني اتفاق حل نهائي لقضايا الخلاف الست، ولكن مع جدول تنفيذ خلال لا اكثر من ثلاث سنوات.
بالنسبة لاقتراح التجسير بين الانتقالي والنهائي، او "الوثب بالزانة" علماً ان كيري مديد القامة، وهو ثاني أشهر من تولى منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي اتفاق مبادئ على الحل النهائي خلال الشهور الستة المتبقية، ومفاوضات تليها على مدى ثلاث سنوات لتطبيق هذا الحل النهائي.
يقال ان كيري عرض في لقائه المطول بنتنياهو بروما ان تتشدد أميركا في المفاوضات النووية مع إيران لجهة رفع العقوبات الاقتصادية جزئياً، في مقابل أن يتساهل ويتهاون نتنياهو في مبادئ الحل الدائم مع الفلسطينيين.
كان عرفات، رحمه الله، يتطلع الى دور "وسيط نزيه" تلعبه الولايات المتحدة، ويبدو ان إسرائيل لا ترى في دور الأميركي في مفاوضات قناة عريقات - ليفني وسيطاً نزيهاً.
.. لكن، من تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية يبدو ان ابو مازن يثق بالسيد كيري وسيطاً نزيهاً، وبخاصة بعد تصريحات كيري في القاهرة بأن الاستيطان غير شرعي في مجمله، وتصريحاته في بيت لحم حول ذات الموضوع، وكذلك نفيه موافقة الفلسطينيين الضمنية والصامتة على توسيع الاستيطان في مقابل إطلاق سراح ١٠٤ من أسرى ما قبل أوسلو.
خلال لقائه رئيس السلطة في بيت لحم اعلن كيري عن تقديم أميركا مبلغ ٦٧ مليون دولار لدعم البنية التحتية الفلسطينية، وليس دعم ميزانية السلطة والرواتب، اي دعم تنمية فلسطينية في المنطقة (ج) بشكل خاص، كتأكيد على الشق الاقتصادي في بناء الدولة الفلسطينية.
في المقابل، لا تربط اميركا بين خلافها السياسي مع اسرائيل وبين التزامها المطلق بأمنها خلاف ما يجري مع مصر مؤخراً، بدليل صفقة ست طائرات متقدمة من نوع "اوسيري - ف ٢٢" قبل اي بلد آخر حليف، بل قبل بعض احتياجات الجيش الأميركي، وكذلك صفقة طائرات F35 بعيدة المدى تصل ايران.
يبدو ان أميركا نجحت في احتكار الحل، وجعل الجانبين يعتمدان عليها، ويبقى ان ينجح "المتفائل" كيري و"المتشائل" عباس و"المتشائم" نتنياهو في انجاز سياسي يؤهل الثلاثة الى جائزة نوبل للسلام.
ستكون هذه المفاجأة الثانية والأكبر بعد مفاجأة أوسلو.