"نقاش موجز لمفهوم التنمية في فلسطين"
الحديث عن مفهوم التنمية في فلسطين شيء والحديث عن التنمية الفلسطينية شيء آخر. فالأول يقتضي الحديث عن إطار نظري مرجعي يحدد لنا آليات التفكير في وضع إستراتيجات تنموية في فلسطين، أما الحديث عن التنمية الفلسطينية فنحن هنا نُقرْ بأنه هناك تنمية فلسطينية قائمة بالتالي يجدر بنا مقاربتها بالإطار النظري المُنتج لها وإعطاء أمثلة من الواقع الفلسطيني تمكننا من تحديد معالمها وتوصيف آلياتها المتبعة ونقاش مؤشراتها.
"التنمية" بالمعنى المعرفي هي عملية تخطيطية وتنفيذية متكاملة بين كل الأنساق المكونة للمجتمعات، فهي تقع بين تصوريين نظريين إثنين؛ الأول يتحدد بهدف التنمية كعملية مواكبة المجتمعات المتطورة واللحاق بركب التقدم والتطور التكنولوجي، والثاني هدف نقل المجتمع من حالة إلى أخرى عبر تغيْر بنيوي يقع في كل الأنساق المكونة للمجتمع (ثقافي، إجتماعي، إقتصادي، سياسي).
إن نقاش هذا المفهوم من خلال كتابات "النخبة" الفلسطينية (سواءً أكاديمية أو سياسية) إنحصر تاريخياً في سؤال واحد فقط وهو: هل هناك تنمية تحت الإحتلال ؟؟ ، فذهب البعض بالإجابة بقولهم أنه لا يوجد تنمية تحت الإحتلال بالتالي أصبحوا يتكلمون عن مفهوم جديد وهو "تنمية من أجل الصمود". اما الشق الثاني إعتقد انه يجب المضي قدماً في العمل من أجل ترسيخ مفهوم التنمية الإقتصادية عبر خطاب سياسي متمثل ببناء مؤسسات الدولة قبل الحصول على دولة، وتمكين مؤسسات "المجتمع المدني".
في كلا الإتجاهين هناك مفهوم ذو بعد واحد لمفهوم التنمية متمثل بالمعنى الإقتصادي فقط، فهذا المعنى الواضح يحتاج لنقاش مفاهيمي لأنه يتعارض مع المعنى المعرفي لمفهوم التنمية عموماً، أي أن التنمية ليست عملية مجتزأه وإنما هي عملية متكاملة إن لم تُأخذ بعين الإعتبار بهذا المعنى تصبح حالة من النمو الجزئي للقطاع الإقتصادي فقط بدون مراعاة الثقافي، والإجتماعي، بالتالي نستطيع توصيف هذه العملية المجتزأة "بعملية نمو معاق" قد يسبب مزيداً من التفاوت الطبقي، ومزيداً من التجزّأ ولا يخدم أي توجه من التوجهات النخب الفلسطينية سابقة الذكر. فهي لن تكون "تنمية من أجل الصمود" ولن تكون تنمية لبناء مؤسسات دولة لم نحصل عليها بعد.
فعلى سبيل المثال كيف يمكن أن نفسر التقارير التنموية الصادرة عن مؤسسات محلية أو دولية والتي تتكلم عن التنمية في فلسطين من خلال أرقام متمثلة في: بناء 150 مدرسة، بناء وترميم 10 مستشفيات أو عيادات صحية ....إلخ ؟ كيف يمكن حصر مفهوم التنمية والعملية التنموية في أرقام؟؟ ولماذا نتهرب من طرح أسئلة مربكة وإثارة نقاش حول محتوى المنهاج التعليمي (الأساسي، والثانوي، والجامعي) كمنهاج قادر على تكريس مفاهيم التنمية كثقافة مجتمعية من خلال الأجيال القادمة؟؟ ولماذا لا يتم نقاش آليات تعيين وإختيار الأساتذه الأكفاء وتدريبهم على تقديم المادة العلمية على أساس معرفي ملتصق بهدف الوصول للتنمية المرجوة؟؟ ولماذا لا يتم نقاش أسس الإدارة المتبعة في المؤسسات الفلسطينية (حكومية، أهلية، خاصة) والتي هي إدارة بعقلية أبوية تقليدية تستند على أهواء شخصية ورغبات حزبية وجهوية بالأساس ولا تقوم بأي تهيئة تنموية للموظفين إلا بما يخدم مصالح فئه ما؟؟
ولماذا لا يتم نقاش "الكفاءات" الفلسطينية "والخبراء" الذين طرحوا أنفسهم كقادة للعمل التخطيطي والتنموي في فلسطين حول ما هي المكاسب التي حققوها للمجتمع مقارنة بالمكاسب التي حققوها لأنفسهم ولعائلاتهم ؟؟
وتلخيصاً لما سبق أعتقد بأن نقاش مفهوم التنمية في فلسطين الآن يحتاج لأخذ بعين الإعتبار بأن عملية التنمية هي مشروع طويل الأمد يستهدف كل القطاعات المكونة للمجتمع بدايةً من الإنفتاح الثقافي ووصولها لبناء إقتصاد وطني. فإن لم يكن هناك توجه واضح يستهدف البنى المكونة للمجتمع الفلسطيني بطريقة منهجية متكاملة سيبقى الحديث عن مفهوم التنمية في إطار النقاشات العقيمة التي تخدم مصالح شخصية ولوبيات نخبوية فقط. وهذا يدفعنا إلى القول بأن أي نشاط مؤسساتي تخطيطي يطرح مفهوم التنمية للنقاش وللحوار من جديد يجدر بهم أن يسائلوا المنظرين والنخب والقادة (أكاديمين، سياسين، رؤساء مؤسسات، مدراء) حول إنجازاتهم التنموية على الأرض قبل أن يبحثوا عن معنى جديد لمفهوم "التنمية". "فالنمو المعاق" الحاصل في المجتمع الفلسطيني هو نتاج لسياسات وقرارات وسلوكيات فئوية يتحمل مسؤوليتها أولئك المنظرين والنخب والقادة، بالتالي هي أزمة نخبه إلى جانب أزمة مفاهيمية معرفية.