من روما الى نيويورك ...إلى لاهاي والبناء
أعتقد انه من المُفترض أن يبدو واضحا آلان أمام القيادة السياسية الفلسطينية، و أمام العالم اجمع، بأنه لا خيار أمام الشعب الفلسطيني في ظل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، و في ظل المفاوضات العبثية، إلا بدق باب المؤسسات الأممية للحفاظ على الاستقرار في الشرق الاوسط ، و ذلك من خلال ايقاف الحملة الاستيطانية الإسرائيلية المسعورة، و محاكمة قادة دولة الاحتلال المسئولين عن عمليات الاستيطان التي يمارسونها ضد الشعب الفلسطيني في القدس، و باقي الأرض الفلسطينية. اعتقد ان التوقيت الحالي مناسب للتوجه إلى عضوية المؤسسات الدولية، و المطالبة بترجمة القانون الدولي لمحاكمة قادة دولة الاحتلال لا سيما و أن إسرائيل تعيش هذه الأيام في عزلة حقيقية لم تشهدها منذ عام 1948 كما جاء في صحيفة نيويورك تايمز، وكذلك ما كتبة الصحفيان الامريكيان المعروفان جيفري جولدبيرج و بيتر بيرت: ان نتانياهو و حكومتة يقودان اسرائيل الى التدمير الذاتي و العزلة، واحباط البيت الابيض.
وأكد هذة العزلة كذلك التقرير الذي نشر بالخطأ على صفحة القناة العاشرة الإسرائيلية و الذي تم سحبه فورا يوم الأحد الماضي، حيث صُنف بأنة تقرير سري للغاية لأنه يتحدث عن الضرر الذي لحق بسمعة إسرائيل، ويساهم في إزالة الشرعية الدولية عنها لأنها تتسبب في الجمود السياسي و تعطل المفاوضات مع الفلسطينيين، و بسبب معارضة إسرائيل لتوجه الفلسطينيين للأمم المتحدة، و هناك ايضا اسباب أخرى لعزلتها اهمها ما يلي:
1- مواقف دولة الاحتلال المتعجرفة و الرافضة للإرادة الدولية التي صوتت لصالح الاعتراف بفلسطين، أو تلك الدول التي لم تصوت ضد القرار، نحن نتحدث عن أكثر من 90% من شعوب الكرة الأرضية التي تؤيد، أو لا تمانع صفة فلسطين عضو مراقب في ألامم
2- كما أن عزلة دولة الاحتلال ناتجة أيضا عن خروقاتها الفاضحة للشرعة الدولية و للقانون الدولي، حيث عمليات القرصنة المكشوفة لسرقة الأراضي، و عمليات القتل و الاعتقالات، و بناء و توسيع عمليات الاستيطان على أراضي الدولة الفلسطينية المعترف بها دوليا في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني من العام الماضي 29/11/2012.
3- عدم إحراز أي تقدم في العملية التفاوضية، و غياب أي مؤشر لرغبة دولة الاحتلال في الانصياع للإرادتين الدولية والفلسطينية لإقامة سلام عادل على أساس قرارات الشرعية الدولية، بل على العكس من ذلك تقوم إسرائيل بوضع العصي في دواليب العملية السلمية من خلال توسيع و تكثيف حربها الاستيطانية و التهويدية غير المسبوقة منذ العام 1948.
4 - فشل قيادة دولة الاحتلال في عملية تخويف العالم من أن رفع مستوى التمثيل الفلسطيني بالأمم المتحدة سيضر بشرعية إسرائيل لان الفلسطينيين سيستخدمون أجهزة المنظمة الدولية لرفع الشرعية عن دولتهم، إلا أن الأداء السياسي الفلسطيني منذ الحصول على العضوية لم يحاولوا رفع الشرعية عن إسرائيل، بل أعطوا إسرائيل و العالم فرصة إضافية مبرهنين التزامهم بالسلام العادل كما أرسته قرارات الشرعية الدولية من خلال رجوعهم للمفاوضات دون وقف الاستيطان استجابة لمطالب، بل و ضغوطات الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية.
5- تطرف و تخلف القيادة السياسية للأحزاب الحاكمة في إسرائيل، فالعقلية اليمينية الدينية المتطرفة التي تطالب بالدولة اليهودية، و إرجاع العالم إلى الماضي جعل العالم ينظر لإسرائيل بصورة حقيقية كما نراها نحن، دولة رجعية، عنصرية دينية متخلفة تمارس الإرهاب تحت اسم الديمقراطية .
6 - شعارات الثورات العربية التي تطالب بالدولة الديمقراطية الحديثة، إضافة إلى مطالبة الفلسطينيين بالدولة المدنية أدى لوضع إسرائيل خارج السياق التاريخي، حيث و من الناحية العلمية و المنطقية أصبح الفلسطينيون و الجماهير العربية كونهم يناضلون من اجل الدولة المدنية و ليس من اجل الدولة الدينية، أصبحوا يُعتبرون جزءا من العالم المتحضر الذي يمثل المستقبل، و وُضعت إسرائيل في السلة السلفية التي تمثل الماضي.
7- انتشار استعمال تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات خاصة الإعلام الاجتماعي، و الشبكة العنكبوتية التي عززت الشفافية، و عززت من المعرفة، بحيث لم تعد إسرائيل كما كانت قادرة على التفوق الجوي و الإعلامي في دول العالم في الوقت الذي تخطوا به دول العالم خطوات متقدمة جدا باتجاه التنمية، و التقدم الحضاري و الديمقراطي و الحقوقي الذي تجاوز الدين و الجغرافيا و اللغة الأكاذيب و التضليل.
8- أصبح هناك شجاعة لدى زعماء العالم، و تحرروا من تهمة اللاسامية التي اعتاد الصهاينة إلصاقها بأي إنسان يتحدث عن حقوق الفلسطينيين، و خطوة البابا فرنسيس الثاني برفضه الالتقاء مع نتانياهو، و الاجتماع مع الرئيس الفلسطيني لنموذج على تحرر مؤسسة الفاتيكان من الهيمنة الصهيونية التي استمرت في هذه المؤسسة لأكثر من نصف قرن.
السؤال المطروح آلان: بما أن إسرائيل تعيش في عزلة دولية، و بما أن العالم أصبح يتفهم المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني، و بما أن الاستيطان مستمر بوتائر عالية جدا، و بما أننا أعطينا الفرصة تلو الأخرى، وبما اننا وافقنا على اعطاء المفاوضات فرصة اضافية على حساب قضيتنا الوطنية، و بما إننا حصلنا على اعتراف العالم بحدودنا، و بما أن 90% من سكان الكرة الأرضية لا يرفضون الدولة الفلسطينية، بل أصبحوا يمقتون العقلية الرجعية الصهيونية، فلماذا سنبقى اسرى للوعود الأمريكية و الأوروبية و العربية، و نستمر في مسلسل المفاوضات الهزلي و الهزيل؟ و لماذا لا نستكمل توجهنا للأمم المتحدة الذي باشرنا بة العام الماضي و اعتبرناه إستراتيجية فلسطينية؟
أنا هنا لا أطالب إن يقوم العالم بطرد الإسرائيليين من فلسطين المحتلة و المعترف بها دوليا بالنيابة عنا، بل أطالب بخطوة صغيرة يليها خطوات اضافية من القيادة الفلسطينية و التي تجعل دولة الاحتلال و قياداتها تحت المطاردة و المساءلة الدولية، باختصار شديد جدا على القيادة الفلسطينية استكمال العضوية في مؤسسات الأمم المتحدة و على رأسها اتفاقية روما من العام 2002، و المطالبة أيضا بتنفيذ اتفاقية نيويورك من العام 1979، و الاستثمار في فتوى لاهاي، و وضع و تنفيذ الاستراتيجية الشاملة، و ذلك من خلال المقترحات التالية:
اولا: العمل على المستوى الآني:
1- يتوجب على القيادة الفلسطينية أولا التوقيع على اتفاقية روما المعروفة بالمحكمة الجنائية الدولية و الحصول على عضويتها، و ذلك من اجل البدء بعملية المطالبة باعتقال و محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين في المحاكم الدولية بعد انتهاء مسلسل المفاوضات. إن مثل هذا التوجه يجعل كل المستوطنين الذين يعيشون بدولة فلسطين المحتلة مساءلين إمام المحاكم الدولية، و بالتالي سنشكل حصار على هؤلاء و نمنعهم من السفر خارج حدود دولة الاحتلال، و الحال كذلك لكافة القيادات الصهيونية في الحكومة و أعضاء كنيست و قيادات الأحزاب و لكافة القتلة من دولة الاحتلال. علينا أن نتصور وضع دولة الاحتلال في ظل الحصار الذي يمكن أن نفرضه عليهم، نحن الوحيدون في العالم من يعرف معنى الحصار لأننا محاصرون منذ عام 1948، و الجميع منا يعرف معنى حرماننا من دخول عاصمتنا القدس و زيارة نصفنا الثاني في الداخل.
2- مطالبة الأمم المتحدة و المؤسسات المخولة بتنفيذ اتفاقية نيويورك المعروفة باتفاقية مناهضة خطف الرهائن، فهذه الاتفاقية تتعامل مع الأسرى الفلسطينيين كرهائن بأيدي دولة الاحتلال، هذه الاتفاقية تعطي الحق في النضال ضد الاحتلال، و تحظر على الاحتلال في الوقت نفسه اختطاف او اعتقال المناضلين، فعلى القيادة السياسية الفلسطينية المطالبة بانعقاد الأطراف السامية الموقعة على اتفاقية نيويورك عام 1979، و المطالبة بتشكيل لجنة من الأطراف للذهاب الى إسرائيل للتحقيق و تشكيل لجان المتابعة و لجان المحاكم. إن ميزة هذه الاتفاقية و بعد الاعتراف الذي حصلنا علية العام الماضي في الأمم المتحدة يجعلنا سجانين للقيادات السياسية ااسرائيلية الذين يعتقلون و يحتجزون أبناء شعبنا، و تجعلهم مطلوبين امام المحاكم الدولية، و تعمل على تغيير المعادلة الحالية المتعلقة بالأسرى و الإفراج عنهم بالقطارة و بالتقسيط. باختصار شديد جدا علينا الاستثمار في المكانة الأممية لفلسطين لتنفيذ اتفاقية نيويورك.
3- هناك خطوة إضافية علينا استغلالها أيضا أو التلويح فيها و هي نبش القرار الاممي رقم 1514 من العام 1960 الذي طالب الدول الأعضاء بإنهاء كافة أنواع الاحتلال و الاستعمار، و انهاء كافة أنواع الاستعباد للشعوب، و إي سياسة أو إجراء يخالف الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، و يناقض ميثاق الأمم المتحدة، و جاء هذا القرار أيضا لوضع حد لجميع أنواع الأعمال المسلحة أو التدابير القمعية الموجهة ضد الشعوب التابعة، لتمكينها من الممارسة الحرة و السلمية لحقها في الاستقلال التام و تحترم سلامة ترابها الوطني. بصراحة إن الاستثمار في هذا القرار يجعل شرعية دولة إسرائيل تحت المجهر لان عدم الالتزام بالبنود السبع من هذا القرار يمكن أن يدفع باتجاه رفع الشرعية عن دولة الاحتلال، و علينا هنا ان ندرك أن مطالبة الطرف الفلسطيني من قبل دولة الاحتلال و من قبل أمريكا بالاعتراف بدولة إسرائيل بشكل رسمي راجع لتخوف القادة الإسرائيليين و الأمريكان من استغلالنا نحن الفلسطينيون لهذا القرار، و القرارات الأممية الأخرى.
تحاول دولة الاحتلال دوما الحفاظ عادة على شعرة معاوية من اجل مسك الخيوط بيدها حتى لا تفلت، أو بالأحرى حتى لا يقوم الطرف الفلسطيني بإجراءات خلاقة لحصار إسرائيل، و الضغط على قياداتها الذين و أن أحسنا صنعا سيبدءون بالتفتيش عن دول للجوء السياسي.
لقد لاحظنا استغلال دولة الاحتلال لورقة الأسرى و المعتقلين، و استعملتها سيفا على رقبة القيادة الفلسطينية من خلال الإفراج بالتقسيط عنهم للحفاظ على إبقاء الطرف الفلسطيني جزءا من المفاوضات العبثية، ليتسنى للاحتلال قضم المزيد من الأرض و بناء المستوطنات لوضع العوائق والعراقيل لاستحالة إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، و استفزاز الطرف الفلسطيني للانسحاب من المفاوضات قبل الفترة المحددة بتسعة شهور. فالقيادة السياسية الإسرائيلية و في ظل غياب المساءلة الامريكية و الاوروبية يريدون السيطرة على الأوضاع كما هي، مفاوضات من اجل المفاوضات، بل من اجل المزيد من المستوطنات، و لا يريدون تفجير الأوضاع إلى مستوى انتفاضة، و الأهم من هذا و ذاك يريدون ضبط الطرف الفلسطيني حتى لا يكمل مشواره في الأمم المتحدة، و الحصول على عضوية المؤسسات المختلفة خاصة تلك التي تلاحق القيادة الإسرائيلية و الجيش و المستوطنين، كما تلاحق أيا من الشركات العالمية التي تعمل في المستوطنات، حتى أن بعض الاتفاقيات تمنع الطيران الدولي من التحليق فوق فلسطين دون إذن من الفلسطينيين .
كما ذكرت سابقا هذا اقل ما يمكن عملة الآن، اقصد على المستوى المرحلي لإيقاف حملة الاستيطان و حملات القتل و المداهمة و الإفراج عن كافة المختطفين و إنهاء حصار القدس العاصمة.
ثانيا: على المستوى متوسط المدى
أما العمل على هذا المستوى فيتمثل بحمل فتوى لاهاي من العام 2004 إلى مجلس الأمن لتحويلها إلى قرارات، و إذا تعذر بسبب الفيتو الأمريكي علينا دحرجتها على سكة القرار الاممي 377 "ألاتحاد من اجل السلام من العام 1951" إلى الجمعية العامة لاستصدار قرار بالأغلبية "لا يوجد فيتو في الجمعية العامة" من اجل هدم الجدار، و كنس الاحتلال من كافة سنتمترات دولة فلسطين. ان ما حصلنا علية في فتوى لاهاي اكثر بكثير مما تناولة الاعلام، فالتركيز الاعلامي كان حول هدم الجدار الكولونيالي و تعويض السكان عن خسائرهم. نعم، هذا صحيح، لكن فتوى لاهاي تحدثت كذلك عن القرار 181، و تحدثت عن اتفاقيات الهدنة من العام 1949، و تحدثت عن القدس و ما حولها، تحدثت عن اهمية تطبيق اتفاقية جنيف الر ابعة في كافة الارض الفلسطينية المحتلة منذ العم 1967. و اخيرا تحدثت لاهاي عن قرارات الشرعية الدولية و تحدثت عن حق الشعب الفلسطيني في دولتة المستقلة بما فيها القدس و ما حولها. و هنا علينا ان نعي وندرك بان فتوى لاهاي ليست قرارات، بل هي رأي استشاري او توصيات المفترض ان نقوم نحن "اصحابها" بحملها وتحويلها الى قرارات.
ثالثا: استكمال عملية البناء و النضال:
كما ذكرت سابقا عملية تحرير الارض و الانسان الفلسطيني لا يمكن ان تتم من قبل اي من الاطراف الاقليمية او الدولية، بل نحن فقط المسؤولون عن تحرير ارضنا و مواطنينا، و لذلك و من اجل العمل المنظم و المنتظم لا بد من وضع الاستراتيجية الفلسطينية الشاملة التي يجب ان تتضمن مجموعة من الثورات في كافة القطاعات، خاصة في التعليم و الزراعة و السياحة و الانتاج، وفي الديموقراطية و سيادة القانون و استكمال بناء المؤسسات، كذلك الاستثمار في التكنولوجيا و الشباب، و غيرها من المسارات النضالية الاخرى، و على رأسها المقاومة الشعبية الشاملة.
ان وجود هذة الاستراتيجية و مشاركة كل الفلسطينيين رجالا و نساءا في تنفيذها تجعل من النضال على المستوى الاني و الاخر المتوسط حقيقة، فالنضال من اجل بناء الدولة على الارض هي اهم الاليات الكفاحية التي تدعم سياسيينا، و قياداتنا، و دبلوماسينا في الاستثمار في الشرعية الدولية، و قراراتها، و في الامم المتحدة و مؤسساتها المختلفة، فهذة المؤسسات ليس لها ارجل للمجيء الينا، بل علينا نحن ان نصل اليها، و نستثمر بها كونها أليات كفاحية ناجعة تساهم بشكل فعال في انهاء الاحتلال، و اقامة دولتنا المستقلة الحرة.