المطلوب الآن ... جنيف فلسطيني
يعيش العالم في هذه الايام مرحلة توافق دولي غير مسبوقة بين كل القوى الدولية الكبرى على اختلاف توجهاتها السياسية ومصالحها المتعددة، وفي المقدمة الولايات المتحدة وروسيا، ويتجلى هذا التوافق في قضيتين أساسيتين تشغلان الرأي العام الدولي وهما الملف النووي الايراني والصراع الدامي في سوريا والمستمر منذ اكثر من عامين، وكانت كل واحدة من هاتين القضيتين تثير مخاوف جديدة واسعة من احتمال التحول الى ساحة حرب دولية وتدخلات عسكرية خارجية مباشرة.
وفي الملف السوري اتفقت الدول الكبرى كلها انها على عقد مؤتمر "جنيف ٢" لبحث الوضع والتوصل الى حل سلمي بعيدا عن التدخلات العسكرية الخارجية بعد ان وصلت التهديدات الاميركية تحديدا ذروتها ووصلت السفن المقاتلة الى قرب الشواطىء السورية قبل ان تتدخل روسيا وتحبط هذا المخطط بالاتفاق على تدمير الاسلحة الكيميائية السورية، وتقلب المعادلة وتستفيد من تردد الكونغرس بشأن التدخل العسكري.. والآن يتم اتفاق الجميع على ضرورة الحل السياسي فقط وتجد المعارضة السورية ومن يقف وراءها، انفسهم في مأزق لا مخرج منه إلا بالقبول به.
وهذا التوافق الدولي قد يؤدي في المدى القريب الى تغير اساسي في العلاقات الاقليمية والتحالفات الدولية وستجد دول في المنطقة نفسها وهي تدفع ثمنا غاليا لهذه التغييرات. وهذا التوافق الدولي يجب ان يؤدي منطقيا وواقعيا الى البحث في اخطر القضايا واطولها عمرا، وهي القضية الفلسطينية الاسرائيلية وسياسة الاستيطان والغطرسة ورفض التجاوب مع كل وابسط متطلبات السلام، وهناك قواسم مشتركة يجمع كل الدول ضد السياسة الاسرائيلية.
ان اميركا والاتحاد الاوروبي وروسيا والصين وكل دول العالم ترفض الاستيطان وتؤيد اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية، وتؤكد ذلك في كل مناسبة، بل ان الاتحاد الاوروبي ذهب بعيدا في هذا المجال حين اتخذ قرارا بمقاطعة منتجات المستوطنات او التعامل معها ابتداء من مطلع العام القادم، وفي التجربة الايرانية ما يؤكد الرغبة والقدرة على مواجهة المواقف الاسرائيلية المتشنجة.
ان المطلوب اليوم الخروج من دوامة التفاوض العبثي التي تستمر منذ اكثر من عشرين عاما وتلقى معارضة فلسطينية واسعة لعدم جدواها، وذلك لا يكون إلا في ان يضع المجتمع الدولي خيوطا عامة مشتركة وتصورا واضحا للحل يستند الى مواقفه المعلنة، ويدعو الى مؤتمر جنيف فلسطيني اسوة بمؤتمري جنيف الايراني والسوري وان استدعت الضرورة فرض الحل على اسرائيل التي بدأت تدرك في هذه الايام مدى عزلتها الدولية، اكثر من اية فترة مضت، ولابد لها ان تستوعب الواقع وتستجيب لمتطلبات التسوية السياسية العادلة.