حالة طوارئ نفسية!

2013-12-01 12:55:00

ربما لم يحتج المصريون فى تاريخهم الطويل حالة من هدوء النفس والسكينة والعقول الباردة والعواطف المتزنة كما يحتاجونها هذه الأيام، وباختصار حالة من الطوارئ النفسية التى تساعدهم على مواجهة أيام صعبة وقاسية. هو زمن الاختبار إذن، وإما أن تثبت الأمة أنها قادرة على التعامل مع ما تقابله من تحديات عظمى من أول الإرهاب والأزمة الأمنية والأوضاع الاقتصادية التعيسة والمرحلة الانتقالية السياسية المحملة بالشك وغياب اليقين والخوف من المستقبل، أو أنها سوف تدخل إلى منحدر هائل وتسقط فى هاوية عميقة وإخفاق تاريخى آخر. وببساطة فإن الثمن المدفوع طوال السنوات الثلاث الماضية من الثورات والفورات والشهداء والجرحى والدمار المادى والمعنوى سوف يضيع سدى ولن يبقى منه إلا ذكرى أليمة لثورة «أذهلت العالم». لن يختلف أحد على أنه لا يوجد مؤشر أو معيار واحد يقول إن أحوال مصر الآن أفضل حالا مما كانت عليه قبل ٢٥ يناير ٢٠١١. القضية هنا ليست ما إذا كانت الثورة قد جرت سرقتها، أو تم تصحيحها بعد سلبها بثورة أخرى، وإنما هى ما إذا كان الوعد الذى قام بعد التاريخ السابق، والتاريخ الذى تلاه فى ٣٠ يونيو، سوف يظل باقيا بأن تقوم فى مصر دولة جديدة ديمقراطية مدنية وحديثة وعفية، وتختلف جذريا عن تلك الدولة الراكدة والبوليسية التى تسير بسرعة السلحفاة، بينما تسبقها دول أخرى بسرعة الصوت وربما الضوء أحيانا. هكذا جرى الذكر الذى ليس مهما ما إذا كان صحيحا كليا أو جزئيا، فذلك سوف يكون موضوعا للتاريخ، وإنما الأكثر أهمية هو ما إذا كان ممكنا تنفيذ هذا الوعد أم لا؟

الخيارات المطروحة ثلاثة على الرأى العام كله من ناحية، والنخبة الفكرية والسياسية من ناحية أخرى، ولجنة الخمسين الدستورية من ناحية ثالثة. الأول أن نأخذ الوعد إلى أقصى مداه، فربما لن تتكرر فى المستقبل القريب هذه الحالة من الزخم السياسى، والتعبئة المعنوية للشعب المصرى كما هو الواقع الآن. فالحال هو أن الفرصة متاحة لكى نغير كل ما نشكو منه، ونضع الأسس لدولة مختلفة غير تلك التى اعتدنا عليها، تماثل الدول المتقدمة الأخرى، وبصراحة تجعل مصر دولة «طبيعية» تنتفى فيها كل حالات الشذوذ الدستورية والقانونية والسياسية. الخيار الثانى مناقض للأول، ويتجه إلى إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء، ليس فقط إلى ما كانت عليه تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين السرية، وإنما إلى حيث توقفت عقارب الساعة عن التطور فى إيران وأفغانستان والسودان وما شابهها من دول تركت العصر والدنيا. وفى سبيل ذلك فإنه لا يوجد لا أخلاقيا ولا دينيا ولا سياسيا ما يمنع من استخدام القوة المسلحة، وترويع الآمنين، وتعطيل الدراسة والمؤسسات العامة وحياة المواطنين. الخيار الثالث يريد منع الخيار الثانى من الحدوث، ولكنه لا يأخذ بما أخذ به الخيار الأول من الانطلاق إلى المستقبل، وإنما بالاستسلام للماضى، وإعطاء كل من له مطالب مطالبه، فتبقى دولة العمال والفلاحين المزيفة فى الدستور، ومعها كل هيئة قضائية تريد أن يكون لها حصانة أو اختصاص، وتتسلل من خلالها «كوتات» -حصص- مرئية أو غير مرئية تحت ستار «المرحلة الانتقالية» المقرر لها أن تبقى إلى الأبد!

الخيار الأول بطبيعته هو الذى يأخذنا إلى الأمام وإلى مستقبل آخر، ولكن الثانى يشن حربا فعلية ونفسية عليه، أما الثالث فإنه يلجأ إلى التهديد والابتزاز لعل الأوضاع كلها تبقى على ما هى عليه. الخياران الثانى والثالث معا يجعلان الثورات بغير معنى، والتضحيات بغير هدف، والتراجع الذى جرى خلال ثلاث سنوات لا يبشر بانطلاقة تاريخية تعوض الإخفاق الدائم على مدى مائتى عام. ولحسن الطالع أن الخيار الأول تحمله أكثرية تحكم من خلال حكومة ورئاسة مدنية فى حماية القوات المسلحة وقوى الأمن المختلفة، ولكن معضلتها للأسف التفتت ما بين أكثر من حزب واتجاه. هذه الأكثرية تحتاج حالة طوارئ نفسية تجعلها تدرك حرج اللحظة، ودقة المرحلة، وربما الاعتراف بالمسؤولية التاريخية الموضوعة على عاتقها. هذه الحالة تعنى القدرة على تعبئة الموارد البشرية والمادية للوطن لمواجهة حرب ضروس تفرضها عليها جماعة الإخوان ومن يؤيدها من جماعات إرهابية مختلفة. هذه الحرب لها جانب عنيف قاس لا يرحم، يستهدف ليس فقط قوى الأمن والجيش، وإنما بقية الشعب كلما كان هناك سبيل. ولكن الحرب أيضا نفسية، فغاية المنى لدى هؤلاء هى القول إنه إذا كنا قد فشلنا فى عام مرسى، فها أنتم تفشلون أيضا فى عام عدلى. وكم دقت طبول الفرح لدى هؤلاء عندما جرى الإعلان عن استطلاع للرأى العام أجرته مؤسسة زغبى الأمريكية على عينة من ٥٠٢٤ مفردة، وذكر فيها تراجع شعبية القوات المسلحة من ٩٣٪ فى شهر يوليو إلى ٧٠٪ فى شهر سبتمبر. بالطبع فإن أحدا لم يعط أهمية لما جرى من تراجع فى استطلاعات نفس المؤسسة طوال العام الماضى فيما يخص الرئيس السابق مرسى، أو جماعة الإخوان السرية. ولكن الأهم أن الإخوان والمتعاطفين معهم لم يتساءلوا أبدا عن طبيعة العينة المختارة، ومدى تمثيلها للشعب المصرى وريفه وحضره ومدنه، ومستويات تعليمه، وانتماءاته الحزبية والسياسية. وفى حدود العلم فإن هذه العينة لم يتم الحصول عليها من الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، وهو الجهة الوحيدة التى لديها مثل هذه العينة، والتى بدونها فإن نتائج الاستطلاع تحتاج إلى مراجعة، وإلى تخفيض درجة الثقة فيها، خاصة أنها تعطى تقديرا مبالغا فيه لحركات سياسية مثل السادس من إبريل.

ولكن ذلك جزء من الحرب النفسية، ولم يعرف عن النظم السياسية ذات «المرجعية الدينية» أنها من المتحمسين للأدوات الليبرالية فى البحث مثل استطلاعات الرأى العام. والحرب النفسية الدائرة تبدأ بالعنف، فإذا ما أفرز الإرهاب تراجعا فى السياحة مثلا، فإن الاتهام يصير فورا فشل الحكومة فى إدارة الاقتصاد والسياحة وكأن الإخوان كانوا من أنصارها. ولعل ذلك ما كانت تفعله حماس من قبل حينما كانت تقوم بعمليات انتحارية أو استشهادية قبل كل جولة مفاوضات لتحرير الأرض الفلسطينية المحتلة، وعندما تتوقف هذه الأخيرة تسارع جماعة الإخوان الفلسطينية إلى القول بفشل مشروع أوسلو، حتى جرى الاحتفال مؤخرا بمرور عشرين عاما على فشل أول مشروع لإقامة سلطة وطنية فلسطينية فى التاريخ!

المدرسة واحدة فى كل الاتجاهات، وما علينا إلا المحافظة على الاتجاه نحو المستقبل بصبر وأناة ودأب وإصرار، ولن يكون ذلك إلا بشرح الأمر بوضوح للرأى العام، ودون حاجة إلى تشنج أو عصبية أو تحميل القوات المسلحة والأمن أكثر مما تطيق، أو بالخروج عن المسار الديمقراطى لأن ذلك يجعل جميع الاختيارات سواسية فى النهاية. وبصراحة فإن المهمة فى جوهرها تقع على عاتق جماهير يونيو التى أرادت الخروج من المأزق الذى أتى بوصول الإخوان إلى السلطة نتيجة توافق «فيرمونت» الشهير. وفى بعض الأحيان ربما يكون واجبا أن نعض على النواجذ ونتحمل ما لا نرضى عنه وفقا للمعايير الدولية فى قانون التظاهر أو مقاومة الإرهاب، لأن قوى الأمن المصرية هى الأخرى لا تتوفر لها المعايير الدولية المعروفة.

ولمن لا يعلم فإن هذه القوى قد خسرت الكثير من قوتها نتيجة حرق أقسام الشرطة، ومديريات الأمن، ومقار الأمن الوطنى، وكذلك فإن جهاز العدالة فى مصر كله أصيب إصابات بالغة عندما حرقت المحاكم، ومقار النيابات العامة، وكان ذلك كله لكى نقع فى هذا المأزق الأمنى. وإذا كان على جماهير يونيو أن تتحمل ضرورات المرحلة، والحرب الدائرة، فإن القوى المختلفة القائمة على حراسة الوطن عليها ألا تخسر الرصيد الذى كونته مع الجماهير خلال الشهور الماضية بتجاوزات غير مقبولة، فبدون تأييدها ومساندتها فإن كسب الحرب لن يكون سهلا، وثمنه مرتفع.