ماذا لو فشلت العملية التفاوضية ؟!

2013-12-18 10:20:00

وحده وزير الخارجية الأميركية جون كيري الذي يؤكد بين وقت وآخر ان هناك إنجازا واضحا سيتم الإعلان عنه قريبا في إطار العملية التفاوضية على الملف الفلسطيني ـ الإسرائيلي. معظم الإشارات، الفلسطينية والإسرائيلية، لا تشير الى مثل هذا التفاؤل الذي يعلنه كيري، الأمر الذي دفع بعض المحللين السياسيين الى الاعتقاد ان هناك صفقة ما يجري إعدادها على نار التصريحات المتشائمة، ربما تصدم الرأي العام، لأن جون كيري لا ينطق عن جهل او لمجرد الحماس، بل بين يديه ما يشير الى هذا التفاؤل، رغم محدوديته، وانه لن يخاطر، كوزير لخارجية دولة عظمى، بإطلاق تصريحات لا تمت للواقع بصلة، وبالتالي فان التصريحات الصادرة عن مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين، مجرد التزام بتعهد عدم تسريب المداولات حول المفاوضات، رغم ان هذه التصريحات تعتبر خروجاً عن هذا الالتزام، خاصة وان "المسار الأمني" الذي بات رديفا للعملية التفاوضية وملفاتها المتشعبة والعديدة، هو وحده ما تسلط الأضواء عليه، بحيث باتت تفاصيله بحوزة كل من يرغب.
الا ان ما تم حتى الآن، وفقاً لهذه التسريبات والتصريحات، ان اسرائيل نجحت في فرض "المسار الأمني" كبديل من الناحية العملية عن كافة الملفات الشائكة المرحلة من اتفاق اوسلو، وانجرار الجانب الفلسطيني والرعاية الاميركية، الى الدخول في تعقيدات هذا الملف، يعتبر إنجازاً إسرائيلياً بامتياز، بصرف النظر عن مدى التقدم الذي تم احرازه، فقد ظهرت اسرائيل وكأنها كيان مهدد من قبل الجانب الفلسطيني، وان الدولة العبرية في خطر محدق وعلى قيادتها الذود عنها وحماية مواطنيها من الاحتلال الفلسطيني والعدوان الفلسطيني، وانه بدون التوصل الى تسوية على هذا الملف، فان الملفات الاخرى ستظل في الأدراج، واسرائيل تعلم ان أي حل عبر هذا المسار لا يأخذ بالاعتبار ان الاحتلال هو ارقى أشكال الإرهاب والعدوان وان أي حل لا يضع حداً لهذا الاحتلال والعدوان، لن يقبل به احد، خاصة القيادة الفلسطينية التي عبرت عن انسحابها مع طروحاتها فيما يتعلق بالسلوك السياسي عبر عملية تفاوضية كخيار أساسي في المواجهة، وهو الامر الذي كان في صميم البرنامج الانتخابي للرئيس أبو مازن والذي تم انتخابه على أساسه، الا ان ذلك لا يعني على الإطلاق، أي تنازل عن ثوابت الموقف الفلسطيني المعلن والقائم على اساس قيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة العام 1967، وحل كافة ملفات الحل النهائي، خاصة ملفات القدس والمياه واللاجئين والحدود.. ورغم الثبات على هذه الثوابت الا أن التمترس وراء الملف الأمني، نزولاً عند الموقف الإسرائيلي، يعتبر قصوراً في التعاطي مع ملف التسوية السياسية من قبل الجانب الفلسطيني.
وهناك اعتقاد سائد، بدأ يتبلور على خلفية ما يشاع عن فشل العملية التفاوضية، وهو ان كافة الأطراف الثلاثة، فلسطين وإسرائيل واميركا، ولأسباب تتعلق بكل طرف، له مصلحة في استمرار العملية التفاوضية على الرغم من توفر عناصر كثيرة تشير الى فشل هذه العملية، الا ان المصالح المختلفة لهذه الأطراف، لا تمنع من التخوف من وقف او تجميد العملية التفاوضية، وأسباب ذلك كثيرة وعديدة، بحيث وضع كل طرف الى جانب مصالحه في هذه العملية، السيناريوهات التي يمكن اللجوء اليها في حال وقفها او تجميدها.
هذه السيناريوهات رغم اختلافها، تضع في الاعتبار مزيدا من التوتر والتسخين والدفع بآليات قد تقود الى انتفاضة فلسطينية ثالثة، او عدوان إسرائيلي واسع على قطاع غزة لإعادة احتلاله بهدف إجراء تغييرات أساسية في الخارطة السياسية، تؤدي الى خلخلة التحالفات القائمة، خاصة اذا ما توازت مثل هذه الحرب بإجراءات تصعيدية في الضفة الغربية أساسها عمليات اغتيال واعتقالات واسعة النطاق.
ورغم اننا نستبعد هذا السيناريو، الا ان تداعيات فشل العملية التفاوضية قد تدفع بأطراف عديدة الى استغلال هذا الفشل لصالح برنامجها السياسي للإطاحة بكل ما هو قائم، ولكي تفرض أطراف جديدة على الخارطة السياسية، كبديل عن الأطراف الحالية والتأسيس لعملية تفاوضية جديدة، من حيث الأطراف ومن حيث السياسات والبرامج.. لكن ما يضعف هذا الاحتمال، عدم ضمان النجاح في مثل هذا السيناريو على ضوء المعطيات الراهنة، والخشية من أن تفقد هذه الأطراف المزايا التي تتمتع بها حاليا على ضوء الأوضاع الراهنة، خاصة في سياق الانقسام الفلسطيني من ناحية، والتوترات الإقليمية خاصة ما يجري في سورية هذه الأيام.
الاحتمال الأرجح في ظل هذه الصورة، ان تعيد واشنطن حساباتها والتقدم الى الطرفين بحل من عندها تحاول فرضه عليها، مع إدراكها ان هذا الحل سيتم رفضه من قبلها، الا ان ذلك يوفر أرضية لانطلاق واستمرار العملية التفاوضية في اطر جديدة، بالضبط كما تم لواشنطن في وقت من الأوقات، وفي ظل فشل العملية السياسية، ان تقدمت "بخارطة الطريق" التي تمكنت من خلالها من إنقاذ "العملية السياسية" رغم الاعتراضات والتحفظات على هذه الخارطة، الأمر الذي مكن واشنطن ان ترعى العملية التفاوضية بذريعة ان هناك جديدا يمكن التفاوض بشأنه. هذا كله في حال ان كان الحديث عن صفقة.. مجرد هراء لا أكثر ولا أقل!!