السريّة والمفاوضات!
منذ بدء المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية، الجديدة، تم الإعلان بوضوح وصراحة بأن هذه المفاوضات ستتمتع بسرية كاملة، ولن تكون في تداول الإعلام. لعله من نافلة القول، بأن السرية بل السرية التامة، هي أمر لازم وضروري، في مسار مفاوضات صعبة وشائكة، ومحطاتها موضع خلاف بين الطرفين الرئيسيين . لعل مراجعة سريعة، لاتفاقات دولية سابقة، ويصلح اتفاق بودوستيك بين الاتحاد السوفياتي وألمانيا النازية مثالاً عليه. فإن السرية التامة في إنجازه كانت أمراً لازماً لا مفر منه، وعبر تلك السرية، تم تجنب الكثير من الإشكالات داخل الاتحاد السوفياتي نفسه.
وكذلك الأمر، فإن الاتفاق الفلسطيني - الإسرائيلي ١٩٩٣، تم طبخه وإنجازه عبر ممرات سرية تامة، لولاها لما تم إنجاز هذا الاتفاق التاريخي. المسألة في مسارات المفاوضات الجارية، والحفاظ على سريتها يرافقها نشر المزيد من التقارير والأخبار والتسريبات عبر الصحافة الإسرائيلية، خاصة "يديعوت احرونوت" و"هايوم" التقارير تتناول مسائل أمنية تتعلق بالمفاوضات ومساراتها، ومواقف الولايات المتحدة، ولعل الاطلاع على تلك التقارير، من شأنه ان يدلل، على أنها تقارير تم إعدادها بعناية فائقة، وبأنها قادرة على إعطاء الانطباع، بأن هناك إعدادات لنقاط اتفاق قادمة .. يأتي ذلك في ظل غياب النص الإعلامي الفلسطيني الذي لا يزال يلتزم بالسرية، حفاظاً على مسارات التفاوض.
المسألة هنا، لا تتعلق بالاحترام بما اتفق عليه .. بمعنى ان المسألة ليست مسألة أخلاقية، بقدر ما هي مسألة سياسية.. ما تقوم به إسرائيل من تسريبات هو جزء من عملها السياسي الرامي الى تفجير المفاوضات وسط الطريق، وخلق المزيد من الإشكالات داخل الوضع الفلسطيني نفسه، وبث ما يخدم مصالح الحكومة الإسرائيلية، داخل الشارع الإسرائيلي نفسه..
لا يعني ذلك، الاستجابة للابتزاز الإسرائيلي، وخروج الطرف الفلسطيني عن صمته، عبر اللجوء الى الإعلام.
المسألة هنا، تحتاج الى وقفة جدية، يتم خلالها دراسة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلي، وتحديد مراميه وأهدافه.. وبالتالي العمل على درء مخاطرها، والحيلولة دون نجاحها، عبر وسائل إعلامية فلسطينية، تأتي عبر معبر واحد، وهو الإعلام الحكومي، والناطق الرسمي، عبر بيانات إعلامية، ترسم الملامح العامة لسير المفاوضات، دون الدخول بتفاصيلها وتفنيد التقارير الإسرائيلية، دون ذكرها ..
هنالك قضايا أمنية بارزة منها مسألة الأغوار والحدود وغيرها، وللفلسطينيين موقف واضح إزاءها، ولا مانع من تجديد هذا الموقف وإبرازه، مع التأكيد على أن المفاوضات لا تزال متواصلةً وهناك إمكانية لنجاحها في حال الالتزام الإسرائيلي الإسرائيلي بمبادئ السلام ومقوماته!