هذا المساء
هذا المساء وضعتُ مستعجلاً، وبدافع الملل لا الشفقة، قطعةً معدنيةً صغيرةً جداً في راحة يد امرأة متسولة.
وفيما أنا أدير ظهري لراحة يد المرأة سمعتُ صوتاً غامضاً يشبه طفولة ناي ياباني مكسور ومدلل يصدر عن المرأة، فظننتُه دعاء لي بالتوفيق وراحة البال، توقفتُ، عائداً إليها، طالباً منها إعادة دعائها، الذي لم يكن دعاء، كان صوتاً خاصاً أهدته لي وحدي، مختارةً إياي وسط استغرابي من بين شباب كثيرين حولها، (أقلهم وسامة أنا) لكوني أفتقد للوقاحة وطول اليد، كما برّرت هي لي فيما بعد. ابتسمتْ المتسولة فظهرت بقايا فراغ بهيج بين سنين من أسنانها الأمامية، الصفراء، وطار عقل الطريق، نصف دقيقة من النّظر المركز لليد والأسنان والابتسامة، كانت كفيلةً بأن تفاجئني بأن راحة هذه المرأة هي التي وضعتْ في راحة يدي قبل ثلاثة عقود أول حروب جسدي.
مشتْ مُشعلةً أول حروبي في طريقها، باحثةً عن راحاتِ أيادٍ أُخرى ربما تكون قد زرعتْ في إحداها بذرة اشتعال قديم.
انحنيتُ لرائحة ظلها، وضغطتُ برفق محب على ظهر طائر خفق فجأةً في راحة يدي.