حضرت الطبيعة...وتغيب الإنسان
زيَّنت الوانُ الزهورِ ترابَنا، وتشققت روائِحُ النسيم العليل، رغم إبتعاد المطر وهجرانهِ لنا، فأوراق الأشجار وأغصانها تمد يديها نحو السماء، لتتقافز على أطرافِها عصافيرٌ تُزَقزِقُ لحنَها السنوي في طقوسِها المعهودة، وتبوح الحشائش بأسرارِغيابها لحجارة الأرض التي تملأ المكان من حولها، فقد حضر موعد الإنبعاث، فالشمس تمسح خُدودَ الأرضِ برفقٍ وحنانْ رغم إشتعالٍ يحرِقُ قلبها، والقمر يبعث رسائلَ مضيئةٍ في حُلكة الليل تنساب كالينابيعِ على أوديةٍ تسيرفي ثناياها غزلانٌ نضرةٌ تَحسَب دائرة القمر الملتفِ من فوقها سقفاً لغرفتها، وسُحُبُ الصباح تُداعب بأصابعها قمم الجبال وسفوحها.
لقد نَسَجت طبيعة البلاد قصَتها السنوية بحِرَفِيةٍ وإتقان، كل طرف من أطرافها يقوم بدوره المعروف كعادته دونما تراخٍ ودون تأجيل، لتتجرد من همومِها وتُلقي بكل طاقتها إلتزاماً منها بوعدها، كي تُسطِّرَ أرقى وأعظم صُوَرَ الوفاء بعهدها، فلم تغادر صغيرةً ولا كبيرةً من أحداث قصتِها إلا وسَرَدَتْها على أبصارنا بكل تفاصيلِها.
تلك الأبصارُ التي ما عادت كسابق عهدِها، وما باتت المأوى لقلوبٍ سليمةٍ في جَوْفِ حامليها، ولا مؤشراً لأفكارِ التودد والشجاعةِ والمروءةِ والشهامةِ والأمانةِ والرأفةِ والتعاونِ والأملِ والعمل، كي تُلقي بالاً حتى الى النظرِ في أحداثِ قصةٍ تُروى بلسان الأرض على مسامِع قاطنيها، فقد إغرَوْرَقت العيونُ بالبلادةِ والتعصبِ والنفاقِ والانانيةِ والظلمِ لتَعمي القلوب التي بالصدور، وتَحولُ بين بدايات القصة ونهايات المكان، ولتَسْحَق بأنياب الضياع والتشرذُم والتفكك منتصف الحكاية، تحت وقعِ أقدامٍ تدقُ جبينَ ارضِنا صباحَ مساء كأنها في وصلةٍ لا متناهية من رقصة "الصلصا" الشهيرة لترى الراقصين فيها يلهونَ بِكَونِها ويتبادلون ادوارَ النِزالِ على أطرافِ مساحةٍ بحجم وجودهم، يتغنون بحضورهم في حكايات هزِ خاصرة المكان وينسون الزمان، حينما إكتمل حضورُ الجميع في رواية قصةٍ وغاب عن أحداثها الإنسان .