ماذا قال الجنرال؟ .. وماذا قال الفتى!
اقتبست، في عمود السبت 29 آذار، من قراءة عوفر أديرت (هآرتس) قول مناحيم بيغن، خلال مفاوضات قمة كامب ديفيد: "سيأتي يوم وهذه ستسمى دولة فلسطينية. ونحن؟ هل سنغمض أعيننا عن هذه الرؤية"؟
سأقتبس، أيضاً، قول موشي دايان: "بشكل عام، الجمهور الفلسطيني هو جمهور ذكي. بشكل عام، العرب هم نشطاء جداً، بمن فيهم البدو.. هم شعب نشيط يعرف كيف يعمل. هناك أمور لا يمكنهم أن يعملوها دوننا"!
عن الاقتراح المصري لاتفاق الإطار حول فلسطين، قال بيغن: "إذا لم يكن الحديث يدور عن دولة فلسطينية فأنا غبي (..) هذه وصفة لإبادة إسرائيل"!
لعلّ ما قاله بيغن، مع بدء حملة "سلامة الجليل" في لبنان 1982 ضد قوات م.ت.ف: "ستهدأ البلاد أربعين عاماً"... يفسّر ما أصابه بعدها من اكتئاب، واعتكاف، واعتزال في نتيجتها!
غداة حرب 1967، وكان دايان نجمها الإسرائيلي والعالمي .. والعربي، أيضاً، قال هذا الجنرال المولود في فلسطين قبل إقامة إسرائيل: "العرب لا يقرؤون، فإن قرؤوا فهم لا يستوعبون"، قبل حرب 1973 قال: "شرم الشيخ بلا سلام، خير من شرم الشيخ مع سلام"، لكنه، بعد الحرب والمعاهدة، خاطب الكنيست: "السلام دون شرم الشيخ خير من شرم الشيخ دون سلام".
عندما سئل عن هذا، قال: "الحمار وحده لا يغير رأيه"!
لو أن دايان عاش وشهد الانتفاضة الأولى والثانية، ومفاوضات كامب ديفيد 2000، والجارية الآن لربما قال: المفاوض الفلسطيني صعب المراس، خلاف ما يقوله المعارضون الفلسطينيون والعرب للمفاوضات، ولسياسة التفاوض الفلسطينية.
كان دايان هو الذي فاوض الجانب الأردني في رودس، ونجح في إقناعه بالتخلي عن "واحد سنتمتر على الخريطة" في منطقة المثلث، بذريعة أن خصر إسرائيل ضيق، والآن يقترح الوزير الروسي ليبرمان إلحاق منطقة المثلث بالدولة الفلسطينية المزمعة!
تتغير الظروف، المعطيات، الأسباب.. وحتى الأفكار والأيديولوجيات، لكن هذا "الرأي العام" يظلّ موضع تقديس "شعبوي" أو بطيء التغيير، يتمسك بالاستراتيجية ويحتقر التكتيك، يحب الشعار ويكره الواقع.
بعد الخروج من بيروت، وفي مقر قيادة المنظمة في تونس وضع خبراء مركز التخطيط الفلسطيني برئاسة منير شفيق ورقة عمل مستقبلية مصاغة بشكل "سياسة استراتيجية، فلسطينية جديدة"، فلما عرضوها على رئيس المنظمة تملاها وقال: "انقعوها واشربوا ماءها"!
كانت قوات م.ت.ف مبعثرة ومشتتة في ست دول عربية أو سبع (بحسبان قوات غير نظامية بقيت في لبنان).. وكان على المنظمة، خارج "الاستراتيجية" المقدمة على ورق، أن تنتهز الانتفاضة الأولى لانطلاقة سياسية جديدة، للخروج من الشعارات القديمة.
أوصلتنا الانطلاقة الجديدة إلى "إعلان مبادئ أوسلو" وعنها قال رئيس السلطة، حالياً، أبو مازن: إنها ستوصلنا "إمّا إلى الدولة، وإمّا إلى التلاشي".
***
غداً، يبدأ شهر نيسان المفصلي، إما تتكشّف المفاوضات عن "كذبة نيسان" وإما مرحلة تفاوض جديدة بشروط جديدة.
في الحالتين، ستقرؤون في أيار استطلاع رأي عام فلسطيني، حول من يتحمل مسؤولية الفشل، أو من يراهن على النجاح الأميركي في تمديد المفاوضات.
مرّ يوم الأرض الـ 38 كما مرّ في سنوات سبقته: إضراب عام للشعب الفلسطيني في إسرائيل، ومظاهرات احتجاج للشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة.. وتغطية هذا وذاك في صحف البلاد وخارجها.
هل أن "أمّة اقرأ" لا تقرأ، كما تقول إحصائيات القراءة للشعوب.. أو كما قال دايان غداة حرب حزيران 1967، أو أن الجمهور الفلسطيني هو "جمهور ذكي" كما قال الجنرال نفسه في وقت لاحق.
من بين كل التغطيات الصحافية لـ "يوم الأرض" وغياب أعمدة الكتّاب، استوقفني مراسل "الأيام" في غزة، عيسى سعد الله: "اعترف الشاب محمد الشبر، المتحمس للمشاركة في مسيرة راجلة شرقي مدينة جباليا، لإحياء ذكرى يوم الأرض، بجهله التام لحقيقة المناسبة".. وكذلك الفتى رفعت النجار وشباب آخرون تساءلوا عن غياب التثقيف بالمناسبة، بما في ذلك في خطب المساجد، والمدارس والمنظمات الشعبية.. إلخ!
لماذا لا؟ ثلث الشبيبة الإسرائيلية تجهل متى اغتيل رابين وأسباب الاغتيال؟! الرأي العام ليس كذبة، لكن قياس اتجاهاته مضلل. أو الأهم ما قاله الشاعر: ماذا قال الفتى لفتاته.. والبحر يسمع!