عبث فلسطيني... في زمن الجد
في اكثر الازمنة الفلسطينية والعربية وحتى العالمية جدية، يكثر العبث الفلسطيني، ويبدو كما لو انه ترفٌ لا يراود الا المرتاحين والبعيدين كل البعد عن المشاكل والمآزق.
الفلسطينيون جميعا، يعرفون هذا العبث، ويتذمرون منه وجميعهم يتساءل لماذا؟
ويتجلى العبث في اوضح صوره، حين يجري الحديث عن المصالحة الوطنية، التي لا يختلف اثنان على انها شرط وجود للفلسطينيين، بينما لم يُفعل شيء جدي للوفاء بهذا الشرط، وتفادي هذا الخطر الذي يهدد بابتلاع الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد استمر الانقسام، واستفحل لأسباب عديدة ومعروفة للجميع ، ولعل اولها هو استسهال الحوار بديلا عن القرار، ولو احصينا ساعات الحوار التي استهلكت في زمن الانقسام، لوجدنا انها تتجاوز الالاف ، ولو احصينا قصائد الغزل بالوحدة الوطنية والثوابت، لوجدناها تملأ كتبا ومجلدات، ولكن لو بحثنا عن خطوة واحدة فعالة نحو انهاء الانقسام فاننا لن نجد.
ولعل تواصل الحوار دون نتيجة، وتواصل الانقسام دون قرارات فعالة لانهائه، هو اعمق واخطر انواع العبث الفلسطيني في زمن يطرح فيه المصير على الطاولة، وتتعرض فيه القضية الفلسطينية للتصفية، فإلى متى تستمر هذه الحالة العابثة؟، والى متى كذلك يتواصل الحوار كما لو انه سلعة كاسدة يواصل الفاشلون عرضها للبيع في اسواق الشعبوية والنفاق الساذج؟.
عندما قلت في بداية المقالة ، اننا في اكثر الازمنة جدية، لأن وقائع ما يجري في هذا الزمن تؤكد ان العديد من القضايا الاقليمية والدولية والعديد من الكيانات تقف على مفترق طرق مصيري، ولا تخلو بقعة من عالمنا الذي نعيش من تحديات تمس الوجود والمصير، الا ان كل طرف من اطراف هذه التحديات، يخوض معركته بالحد الاقصى وبلا هوادة وحتى لو صبغ الدم الخرائط الحديثة بلونه الاحمر، وفي زمن كهذا ، يمكن لاهم القضايا ان توضع على الرف الى عقود، ويمكن لقضايا جديدة ان تنشأ فتطرد بسخونتها وعنفها وقوة تأثيرها القضايا القديمة بما في ذلك قضيتنا الفلسطينية، التي كانت مركزية في عالمنا العربي والاسلامي، واساسية على صعيد العالم، فاذا بالزمن الخطر الذي نعيشه يرتب لها مكانا ثانويا في عالم القضايا المتزاحمة .
في هذا الزمن ، زمن الذهاب بالحد الاقصى من القوة ، تقف العديد من الكيانات القوية والمستقرة سابقا على حافة الاندثار او التقسيم، في هذا الزمن اين هي قوتنا بحدودها القصوى؟ اين هي انجازاتنا وخصوصا على صعيد اعداد بيتنا الفلسطيني للعواصف القادمة؟
ان ما نحن فيه لا يحتاج الى مواقف فقط على اهميتها واساسيتها ، وانما يحتاج الى قرارات مستنيرة ولكن حاسمة، قرارات تضع حدا للانقسام وليس حوارات لهواة الثرثرة والكلام ، والقرارات المنشودة، يبدأ اولها واهمها باعادة الامانة الى الشعب، الذي يجب ان يأخذ دوره في معالجة القضايا الاساسية، وليس سوى صندوق الاقتراع من يتيح لهذا الشعب اداء دوره، وما دام عندنا شرعية لا جدال عليها وهي شرعية منظمة التحرير، فلم لا تستعمل هذه الشرعية في الاتجاه الصحيح؟ ولم لا يتولى برلمان الشعب الفلسطيني الذي هو المجلس الوطني زمام المبادرة في امر انهاء الانقسام وتصويب القرار السياسي ولو بخطاب جديد؟
ان هذا الزمن الصعب لا يمكن ان يدار باستمرار صراع الاجندات الداخلية بحيث صار الوطن قسمة بين رام الله وغزة، ولا يمكن ان ننجو من مقصلته الحادة بانتظار فرج يأتي من هنا او هناك، فلا احد على وجه الارض، في وارد ان يحمل عبء احد.
اخيرا... سمعنا عن ترتيب لعقد اجتماع للمجلس المركزي الذي يمتلك صلاحيات المجلس الوطني، فاذا كان الاجتماع من اجل الحفاوة المظهرية للثوابت فلا لزوم له، اما اذا كان من اجل اتخاذ قرارات حاسمة وحتى لو تطلب الامر دعوة المجلس الوطني، فلا بأس من الاقدام على هذا الامر.