عنوان المرحلة القادمة: «وحدة - غزة - دولة»
لم يكن المشهد الفلسطيني الخاص الذي شاهده الملايين عبر وسائل الإعلام عن مظاهر العناق الحار بين قيادات «فتح» و«حماس» بغزة إلا بداية الرحلة الطويلة التي تتطلب مزيدا من اللياقة والوعي والعمل والانتباه لتجاوز الاختلافات الجوهرية والثانوية وصولا إلى برنامج وطني يحشد القوى السياسية على طريقه ويبعث في الشعب التفاؤل اللازم لمواجهة التحديات العديدة لا سيما على مستوى المعيشة والاستقرار والأمن.. وإلا فإن هذا العناق لن يكون له قيمة كما حصل في مرات عديدة سابقة.
يأتي هذا اللقاء في ظل تصعيد سياسي ناتج عن توجه الفلسطينيين الى المنظمات الدولية بعد ان تحصلوا على عضو مراقب في الامم المتحدة الامر الذي استقبله القادة الاسرائيليون بحالة من الهيجان وكأن على الفلسطينيين ان يظلوا في بيت الطاعة الاسرائيلي الامريكي الى آخر العمر..لقد جاءت هذه الخطوة الفلسطينية ردا على التلاعب الاسرائيلي بالمواقيت وجعل المفاوضات غطاء لتنفيذ مشاريعها الاستيطانية والإمعان في إضعاف السلطة الفلسطينية.
امام الفلسطينيين ثلاث اوراق قوة يضعونها في بداية المرحلة المقبلة وهي تتناسب في علاقة طردية فيما بينها ويؤثر كل منها على الآخر..انها الوحدة وغزة و الدولة.. فعلى صعيد غزة لم يعد هناك اي مبرر لاستمرار الوضع الحالي بعد ان تحولت غزة الى سجن ومفجر للمعاناة بشكل غير مسبوق لا سيما وقد اغلقت عليها المنافذ جميعا.. ولم تتمكن حماس ان تتمدد فلسطينيا من غزة ولم تستطع توفير الحد الادنى من حاجات الناس الذين القى بهم الحصار على هامش الحياة.
ومن هنا اصبح من الضرورة الاخلاقية والسياسية ان يتقدم الكل الفلسطيني لإنقاذ غزة من الحصار وهذا لا يمكن ان يتم بلا انهاء للانقسام..فأصبح انهاء الانقسام على مستوى العلاقة بين فتح وحماس وتشكيل حكومة وحدة وطنية او حكومة ثكنوقراط تجمع بين الاخوة الذين سبقت لهم كلمة النزاع.. فعلاقة رفع الحصار عن غزة مرتبطة بإنهاء مرحلة الانقسام ولعل هذا الامر اصبح ملحا الى اقصى درجة..
اما الدولة والاعلان عن حل السلطة الفلسطينية فمناقشة الموضوع تحتاج الى تقديرات سياسية وتشاور واسع وحسابات على اكثر من صعيد..اعلان الدولة بعد افتكاك الاعتراف بها ومشاركتها في المؤسسات الدولية قد يحتاج الى تأخير او تريث او مناورة وقد لا يحتاج ويستطيع المنشغلون بالشأن السياسي الاجابة عليه وتحديد التوقيت وإن كان هو صحيح من حيث المبدأ الا ان تقدير الموقف ضروري..
يلوح الفلسطينيون بأنهم سائرون لحل السلطة وإعلان الدولة وهذا يعني معركة سياسية كبيرة بينهم والحكومة الاسرائيلية ..
وبالفعل فإن اسرائيل لم تتوان عن توجيه الاتهامات للفلسطينيين والقيادة الفلسطينية وأنها سائرة في الاستيطان و فرض الامر الواقع في القدس.
لكنها لم تكتف بذلك بل توجهت الى رسم معالم لمستقبل آخر. هنا تظهر محاولات اسرائيل للكشف عن ان هناك امكانية لتحويل الانظار عن المسعى الفلسطيني بتخيل واقع قد يغري الفلسطينيين بإشعارهم انهم يحققون انتصارا لا سيما عندما يقدمون افكارا عن خسارة اسرائيل بعشرات مليارات الدولارات في حال حل السلطة الفلسطينية وعودة الاحتلال للضفة كما جاء في تقرير اسرائيلي يوم 22 نيسان الحالي..
هنا تتجلى قدرة الاحتلال على صناعة الافكار في البلاد المحتلة .. يدرك القادة الاسرائيليون ان الفلسطينيين لن يحلوا السلطة بل انهم سيحلونها لإعلان الدولة فستظل كل المؤسسات الفلسطينية الامنية والخدماتية ويعلن عن رئيس لدولة فلسطين و عن جوانب خاصة تؤكد هوية الدولة الفلسطينية .. وسيتوجه الفلسطينيون الى المنظمات الدولية لمقاضاة اسرائيل على تجاوزاتها وعدوانها المتواصل على الارض والمقدسات والناس وسيناضل الفلسطينيون لهدف محدد معلوم انه جلاء الاحتلال من حدود دولتهم التي اعترف بها المجتمع الدولي.
هنا يبدو ان الفلسطينيين يدخلون مرحلة جديدة تماما تختلف عما سبق فهم مدعوون الى اعادة الاعتبار لوحدتهم ورفع الحصار عن غزة وتثبيت اركان دولتهم بمعنى انه ليس لديهم وقت ينفقونه في المماحكات الداخلية والخارجية ولا وقت لديهم يتركونه بيد القادة الاسرائيليين يبددونه كيفما شاءوا.
سيستطيع الفلسطينيون بفتحهم ابواب المرحلة القادمة حشد طاقاتهم حول برنامج واضح واحد مفيد بهدف محدد تماما كما سيحشدون طاقات مهمة حولهم أولها المجتمع الدولي والمنظمات الدولية وستصبح اسرائيل دولة منبوذة وستضطر الى انفاق الوقت والمال من اجل تحسين صورتها ولن تستطيع..
كما ان الفلسطينيين سيقدمون للشعوب العربية وسواها من الشعوب المحبة لفلسطين بوصلة واضحة تلتف في اتجاهها جهودهم وإمكاناتهم وسيكون كل يوم جديد بمثابة نقطة انتصار للدولة الفلسطينية..
سيلجأ الفلسطينيون باعتبارهم دولة معترف بها الى المنظمات الدولية لمقاضاة اسرائيل عما ترتكبه معنويا وماديا و لن يجد الامريكيون حينها كما قال الرئيس اوباما قدرة على الدفاع عن الموقف الاسرائيلي..وسيصبح الفلسطينيون بذلك نقطة الهجوم العربي الوحيدة التي من شأنها دعم الموقف العربي وتمتينه ودفعه الى الامام .
ان واقعا جديدا بلغة جديدة وثقافة جديدة وأشخاص جدد سيكون لمرحلتنا المقبلة.. ولعل العناق الحار الذي ابداه الاخوة المتخاصمون يمتلك من القدرة ما يكفي لتوحيد الصف وتجاوز المحنة التي طال امدها.. تولانا الله برحمته.