الحقيقة والمصالحة
سوف تحزن واشنطن وتستنكر، لو أن طرفاً دولياً أيد وشجع على انفصال شرق أوكرانيا لكي يتكامل مع الروس. ذلك علماً بأن مواطني أوكرانيا من ذوي الثقافة الروسية، لم يضمروا شراً للمواطنين من شركائهم في الوطن الأوكراني، ولا يريدون التعدي على حرية الناس وأرضهم وكرامتهم. كل ما في الأمر، أن الأوساط الجديدة الحاكمة في كييف، أول ما شطحت نطحت، إذ قبل أن تلتقط أنفاسها بعد قطع المسافة من الميدان الى القصر؛ أصدرت مراسيم التنكر لثقافة الأقليات ولغتها وخصوصيتها، على النحو الذي جعل الأقلية في الشرق، تتحسس الأعظم الآتي، بعد أن يستريح الحاكمون الجدد الذين وقعوا في غوايات صهيو أميركية أجزلت لهم وعود الرخاء مثلما أجزلت لغيرهم ثم تنكرت لهم أو اعتصرتهم!
وعندما ساندت أميركا حركات انفصالية عميلة وحثتها على الانفصال، اتكأت دائماً على التنوع الديني والمذهبي، وكانت مصلحة إسرائيل عندها، هي قاعدة القياس. فما هي مصلحة واشنطن في عدم وحدة الكيانية الفلسطينية على الأراضي المحتلة في العام 1967؟ ولماذا كانت ردة فعل الولايات المتحدة على إقصاء "الإخوان" في مصر جارحة لغالبية المصريين، ومتعاطفة مع "الجماعة" وشاجبة لتطور الأوضاع في مصر، ومتباكية على الديمقراطية؟
إن إسرائيل ومصالحها هي ميزان القياس عند الأميركيين. هم يعرفون أن تجارب الشعوب التي فيها التنوع، أثبتت أن وحدة مكونات المجتمع هي التي تعزز السياسة، وتصنع الموقف الوطني والمفاوض العنيد أو المقاوم بالسبل المتاحة، دفاعاً عن حقوق شعب بأكمله.
الأميركيون يريدون أن تظل غزة تئن، وكانوا يراهنون على أن تظل تئن، الى أن تستجدي أقراص التسكين لا الشفاء الى الأبد، أي أن تتحول الى كيان صغير منفصل، يساعده "الإخوان" على فتح جغرافيته وتوسيعها، لتنشأ أبشع خارطة لأغرب كيان في العالم. كان الحديث في هذه الوجهة، يدور في الغرف المغلقة، ووُضعت التوطئة له، في الاتصالات والزيارات بين الطرفين "الإخواني" والأميركي، وقد حَسَم الأميركون أمرهم بمساندة "الجماعة" لأن الملف الأعقد في القضية الفلسطينية هو حقوق اللاجئين في أرضهم وممتلكاتهم، ولا حل في رؤيتهم إلا بممتلكات وأراض بديلة، تتوافر من خلال حكم يمتلك الفتوى ويحرك الأحداث لصالحها. وعلى الأرجح لم تكن "حماس" تعلم، وربما معظم مكتب إرشاد "الجماعة" في مصر لا يعلم، لكن الممسكين بالقرار "الإخواني" يعلمون وكان القطريون كانوا الأرجح يعلمون لأن التمويل المفترض سيكون منهم!
للأسف، نجح "الإخوان" في الاختبار الأميركي قبل أن يحكموا، وهذا ما جعل سفيرة الولايات المتحدة تتحمس للرئيس مرسي. فقد زار فريق من "الجماعة" واشنطن قبل انتخابات الرئاسة، وكان عليهم أن يجيبوا عن أسئلة تمهيدية، وبالفعل أجابوا ووافقوا على ضمان استمرار اتفاقية المناطق الصناعية "كويز" (QIZ) التي تفرض على مصر، كشرط للسماح لبضائعها بدخول السوق الأميركية دون جمارك، أن تشتري مصر من اسرائيل 11% من المواد الأولية والمعدات. وفي تلك الاتفاقية، التي تغطي نحو 60% من حجم انتاج المنشآت الصناعية، وتستوعب نحو 64% من العمالة المصرية في الصناعة؛ تلتزم مصر بذلك الحد الأدنى من التعاون مع إسرائيل. كذلك أجاب "الإخوان" بما يُطمئن الأميركيين عن أسئلة التطبيع والعنف والتحالفات وغيرها. لذلك كانوا يريدون مصر مستقرة تحت حكم "الإخوان" لكنهم الآن أداروا البوصلة، ويجافون حق الفلسطينيين في حكم وطني يشمل كل مكونات المشهد السياسي والثقافي والاجتماعي، بما فيه الحلقة الفلسطينية من "الإخوان" أنفسهم.
إن الموقف الأميركي من ردة فعل نتنياهو على التوطئة التي سمعناها عن المصالحة الوشيكة، يمثل اختباراً جديداً لواشنطن. ولأن الولايات المتحدة سقطت في كل اختبارات العدالة والصدقية، كلما كان الأمر يتعلق بإسرائيل؛ فإنها اليوم إما أن تظل تتماشى مع الظلامية والجنون وتتمسك بازدواجية المعايير، فتفقد آخر نفوذ لها أو احترام لدى أصدقائها، أو أن تتعامل بالحد الأدنى من المنطق، فترد لنتنياهو بضاعته الفاسدة!