ضرورة المصارحة... بعد المصالحة

2014-05-12 09:00:00

لا شك انَّ المصالحة التي تمت مؤخَّراً بين كلٍّ من حركتي فتح وحماس تُمَثِّلُ ظاهرة صحيَّة وصحيحة، كما أنَّها تُمَثِّلُ ضرورة وطنية ملحَّة، وهذا يعتبَرُ جيداً بكل المقاييس وبغض النَّظر عن كل الظروف الذاتية والموضوعيَّة المحيطة بالواقع وبالشان الفلسطيني الدَّاخلي..
ولكن لكي تقف هذه المصالحة على قدمين ثابتتين، ولكي تتجاوز الإختبارات الجدية التي ستواجهها داخلياً وموضوعياً، ولكي تستقر كواقعٍ مُعاش فعلا بحيث يمكن استثماره وطنياً، وليس فصائلياً أو فئوياً، فإنَّها ومن حيث المفهوم، يجبُ، إبتداءً، أن تستقر في العقل والوجدان الوطني الجمعي كضرورة وطنيَّة وكهدفٍ أعلى له كل الأولويَّة وكواقِعٍ صحيٍّ وطنياً واجتماعيَّاً وكجزءٍ أساسي من الثَّقافة الوطنيَّة، ويجب أن تتجسَّد على مستوى السلوك كواجبٍ لا فكاك من إمضائه.
انَّ هذا الجانب يملكه الفلسطينيون بإرادتهم، أي أنَّ ذلك يقع ضمن دائرة المُستطاع الفلسطيني، بمعزلٍ عن المعيقات، أو على الأقل هو الشرط الضروري الواجب التحقق لامتلاك القدرة على التعامل مع العوائق والمطبَّات في الطريق، بحيث لا تؤدِّي هذه المطبَّات الى الإنحراف عن الجادِّةِ الصحيحة، والخروج الى هوامش الطريق مرَّةً بعد مرَّة، بما تحويه من تشويشات ومصاعب، ستؤدِّي فيما تؤدِّي، الى تفعيل قانون ومنطق القصور الذِّاتي، الذي سيفضي حتماً الى التوقُّف دون الوصول الى الهدف المرجو.
هذا يتطلَّب من الجميع وتحديداً من كلٍّ من حركتي فتح وحماس أن تكونا مستعدَّتان لدفع الإستحقاقات والتنازلات الضروريَّة، على مستوى إخلاء بعض المساحات التي كانت كل منهما تُصِرُّ على التمسُّك بها، والى ترك منطق الوقوف طويلاً عند مناقشة التفاصيل الصغيرة، مما يفضي الى سيادة منطق المناكفة مُجدَّداً والى التنافس على تسجيل المواقف ضمن مساحاتٍ تقع على هامش الأولويَّات الوطنيَّة، وتحديداً فيما يخص المسائل الإجرائيَّة والشَّكليَّة والبروتوكوليَّة، ومنها ، على سبيل المثال، قانون الإنتخابات الذي دار ويدور الحديث حول تعديله من قانون مزدوج يجمع بين التمثيل النسبي والتمثيل المناطقي ضمن نظام الدَّوائر الإنتخابيَّة المنفصلة، كما جرت وفق انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة عام 2006 ، أو إجرائها وفق قانون القوائم النسبيَّة الذي يقضي بجعل الوطن ، شرقي القدس والضفة الغربية وغزة، دائرة انتخابيَّة واحدة.
يجب أن يصارح الجميع نفسه بحقيقة أنَّ منطق الجدل حول التفاصيل وحول الشكليَّات، وأنَّ تقديم منطق التنافس خارج مساحات وحدود الأولويَّات الوطنية الجامعة، ومصالح المجتمع الفلسطيني بعمومه؛ كانت هي السبب الأساسي وراء سيادة حالة الإنقسام طيلة السنوات الماضية. وبالتَّالي فإنَّ المطلوب من الجميع أن يقف حيال تلك الحقائق الموقف المسؤول وطنياً وأخلاقيَّاً وتاريخيَّاً.
وقبل ان يتم الإغراق في النقاش حول قانون الإنتخابات، يجب على الجميع أن يقف أمام حقيقة وأهميَّة السؤال المتعلِّق بموقف إسرائيل من موضوع إجراء الإنتخابات، وكذلك بالسؤال المتَّصل بأهميَّة موقف وبمدى حماس الأسرة الدولية وبمدى قناعتها، وخاصة الرباعية الدولية والولايات المتحدة، حيال اهميَّة وضرورة إجراء إنتخابات جديدة في مناطق السلطة الفلسطينية، وبمدى اقتراب أو توافق أو افتراق موقف تلك الدول حيال أهميّة وضرورة إجراء الإنتخابات في هذه المرحلة، وهل أنَّ البيئة الدولية والإقليمية التي توفَّرت عام 2006 وكانت داعمة وراعية لإجراء الإنتخابات يمكن توفيرها مجدداً، في ظل خيبة الأمل الكبيرة والفشل على صعيد المفاوضات، وعلى ضوء تجربة الإنتخابات السَّابقة وما أفضت إليه من نتائج ووقائع ؟!.
من وجهة النظر المنطقيَّة والواقعية والعمليَّة، لا يمكن أن تجري الإنتخابات بسهولةٍ وبسلاسة، وخاصَّة في مناطق الضفَّة الغربيَّة، والأهم من ذلك في القدس، دون أن توافق إسرائيل على ذلك، أو على الأقل أن تقف من ذلك موقف الحياد السلبي، أي بمعنى أن لا تعترض على إجرائها أو تحاول إعاقة مجرياتها. ومن المؤكَّد أنَّهُ ودون توفُّر مقدار كبير من الضَّغط الدولي لن تُغيِّر إسرائيل من موقفها، ومن المُرجَّح أنّ إسرائيل، واستناداً الى تجربة الإنتخابات الفلسطينيَّة السَّابقة والدُّروس والعبر التي استخلصتها إسرائيل منها، ستقوم هذه المرَّة ببناء موقفها على أساس قراءَتها الخاصَّةِ بها للواقع الفلسطيني، وعلى أساس تقديرات أجهزتها الأمنيَّة، ومراكز الأبحاث المتَّصلة بها، للنتائج المتوقَّعة للإنتخابات، محاولة التقليص والتخلُّص قدر الإمكان من التَّأثُّر بوجهات النظر الإقليميَّة والدولية والأمريكية فيما يتعلَّق بذلك الأمر كما حصل في المرَّة السَّابقة، في عهد حكومة إيهود أولمرت.

وكما أنَّ إجابة حركة حماس على تلبية تلك الشروط، بوضوح ودون لبس كما يطلب منها، ما زالت الرَّفض، ومع محاولة حركة حماس وكذلك محاولة السلطة الفلسطينية تجاوز الوقوف عند تلك الشروط، تُصِرُّ إسرائيل مجدداً عليها وبشكلٍ أكثر إلحاحاً هذه المرَّة ودون القبول بأنصاف مواقف كما تراها هي، وعلى الأرجح أنَّ موقفها هذا سيحظى مجدداً بتأييد الولايات المتحدة ومجموعة الرُّباعيَّة الدَّوليَّة، وهنا يجب التنبيه الى ضرورة استثمار والإستفادة من موقع وموقف روسيا، كونها عضوا في الرُّباعيَّة الدولية، وعلى ضوء ما جرى ويجري من وقائع تؤشِّر الى تنامي الدَّور الرُّوسي في مجريات السياسات الدولية والإقليميَّة.
حيال ذلك لا بُدَّ من مواجهة الحقائق، والنَّظر إليها، والتعامل معها كما هِيَ، وأوَّلُ هذه الحقائق يتعلَّقُ بأهميَّة التوافق على برنامج وطني شامل بحدِّه الأدنى على الأقل يكون جامعاً وقاسماً مشتركاً أعلى لكافَّة البرامج الجزئية أو الفصائلية، دون أن يتم التعامل مع موضوع الإنتخابات كما لو أنَّه شأنٌ يتعلَّق فقط بقياس وبإثبات الوزن النِّسبي للفصائل، بحيث يتم تقديم برامج انتخابيَّة غير واقعيَّة هدفها بالدَّرجة الأولى دعم الإفتراضات التي تؤدِّي الى تحقيق ذلك الهدف، المتمثِّل بالحصول على أكبر عدد من الأصوات، ودون مراعاة آليات تنفيذ وتطبيق تلك البرامج النظرية.
وثاني هذه الحقائق يتَّصِلُ بأهميَّةِ توفُّر المرونة في تناول الإجراءات والقوانين التي قد تتيح تجاوز العوائق الإسرائيلية، وذلك في أمرين هامَّين، هما:
1: مسألة تشكيل الحكومة، التي يجب أن تكون فعلاً حكومة بتركيبتها ووظائفها بعيدة عن الإستقطابات السياسية، ودون اعتبارها مساحةً للتقاسم وموضوعاً للتنازع والتنافس، وأن تكون ذات تركيبةٍ مهنيَّة أوتوقراطيَّة جوهريَّا وفعليَّاً وليس شكليَّاً.
2: والمسألة الثَّانية هي تلك المتعلَّقة بالتعديل الذي يمكن أن يتم على قانون الإنتخابات، بحيث يصبح الوطن دائرة انتخابيَّة واحدة، مما يتيح إجراء الإنتخابات لكافَّة المرشحين ضمن القوائم النسبيَّة بغض النَّظر عن الفواصل الجغرافيَّة، والمعيقات التي يمكن ان تنشأ بسبب ذلك، وخاصّةً فيما يتعلَّق بالقدس، وبضرورة توفير أكبر قدر ممكن من المشاركة في اختيار القوائم الإنتخابيَّة على أساس برامجها وليس على أساس شخوصها، وبحيث يوفِّرُ هذا النظام الإنتخابي عبوراً وتجاوزاً لحواجز الجغرافيا التي يفرضها واقع السيطرة الإسرائيلية.
المطلوب من الجميع التعاطي مع نِظام الدَّائرة الواحدة، وخصوصاً من جانب حركة حماس، على أساس أهميَّته الواقعيَّة والعمليَّة والسياسيَّة والقانونيَّة، وليس على أساس مقدار ما يوفِّره أو لا يوفِّره من فرصٍ انتخابيَّة لأي طرفٍ كان.
والأمر الأكثر اهميَّة من بين كل ما تم الإشارة إليه، هو ضرورة مراجعة تجربة انتخابات عام 2006 وما تمخَّضت عنه من نتائج ووقائع، وأهميَّة أخذ العبرة من الخطأ الذي تمَثَّلَ في عدم حساب ورؤية وتقدير الخطوة التالية لما بعد الإعلان عن نتائج الإنتخابات، فيما لو حصلت، ضمن ظروفها التي لن تكون على الأغلب مريحة موضوعيَّاً.