الواقع الجديد للسياسة الفلسطينية

2014-05-14 10:45:00

رام الله- رايـة:

بعد سبع سنوات من الانقسام الحاد والجدل والمساجلات الفضائية المفعمة بالتوظيف المستمر للدفاع عن النفس بالمفهوم الذاتي الخاص والمفهوم التنظيمي والحزبي العام التي على إثرها اتضح التراجع الكبير في مجمل حياة المجتمع الفلسطيني ومؤسساته التشريعية والحزبية وتقلص دورها والبدء في التحول إلى ظاهرة هامشية بعلاقتها الذاتية مع بعضها البعض او مع محيطها الاقليمي والدولي ، وبعد أن فشلت كافة الجهود السابقة للأطراف المعنية التي عملت على جسر الهوة في التنفيذ الصادق على ما تم الاتفاق عليه من التزامات بدأت العربة الفلسطينية اكثر اصرارا وعنادا من اي وقت مضى لتقليص الفجوة بين الاشقاء والصحوة من جديد لوضع المصلحة العليا الفلسطينية في سلم الاولويات والأهداف بطريقها السليم..
وهنا لا نريد البحث عن تلك المحاولات غير الصادقة لبعض الجهات الاقليمية والدولية والتي جعلت من اهدافها الضيقة سياسة غير صائبة، وغير آبهه بما يحل بالقضية الفلسطينية ومكوناتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي حاولت عبر ذلك تحقيق هدف بناء مجتمع خاص بها في مرحلة صعبة ومستقبل مظلم بمواجهة السياسات الاسرائيلية ومخططاتها الاستيطانية ، والتي انطلق على اثرها هرم القيادة الفلسطينية التي تعمل جاهدة لوضع النقاط السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية فوق حروفها الحقيقية في الميزان الدولي ووضع الكلمات في سياقها لتعزيز الامن والسلم الدولي في منطقة مهددة بالصراعات الداخلية والإقليمية..
ولأن القيادة الفلسطينية ومكوناتها السياسية بكامل الوانها وايدولوجياتها تعي مفهوم بناء الدولة ومصالحها القومية كان لا بد من تعميق الجبهة الداخلية بعودة اللحمة المجتمعية والسياسية داخل المجتمع وترسيخ علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي وفق مرجعية واحدة موحدة تمنحها الأولوية بوضع برنامج سياسي يأخذ بعين الاعتبار تغير الموازين والحسابات الاقليمية والدولية المحيطة بفلسطين والالتزام بآليات وأدوات يتقاطع عليها اجماع فصائلي ومجتمعي نحوها لتحقيق المصلحة الفلسطينية في اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
ان السرعة المطلوبة في تنفيذ الاتفاق وتشكيل الحكومة الفلسطينية برئاسة الرئيس محمود عباس يمثل مصلحة وطنية فلسطينية بإخلاص وتقصير الطرق لكل من يرغب باللعب على تراكم الأخطاء المتناقضة مع جوهر القضية والتي نضجت عليها الاجيال السابقة من مُثل وأخلاق باستقلالية القرار السياسي وتحريره من اي ضغوطات محلية حزبية او غيرها اقليمية ودولية ، وحفاظا على تضحيات الشعب الفلسطيني خلال العقود الستة الماضية بعيدا عن التناقضات او الترسبات الاجتماعية والحزبية الضيقة ، وهو ثمن دفعه الشعب الفلسطيني بشكل عام وقضيته العادلة على المستوى المحلي والدولي..
لأن كل من يحاول مستقبلا توظيف مبادئه وعقيدته الخاصة من أجل تحقيق أهداف سياسية ضيقة سيواجه بموقف شعبي في كافة المجالات بدءا بالعملية الديمقراطية وانتهاء بإقصائها عن الساحة.
ان الشعب الفلسطيني وقيادته اليوم يمتلكون من المعرفة الفكرية والمعلوماتية والاجتهادات الناضجة في الملعب السياسي الدولي كلاعبين اساسيين بعيدا عن كل ما هو طوباوي في بناء علاقات متوازنة مع كافة الاطراف الاقليمية والدولية وأصبحوا محط انظار حكومات العالم ومجتمعاتهم، مع تبلور واتضاح لمعالم الحق في التمسك بالهوية الفلسطينية بكل أبعادها الدينية والثقافية والتاريخية.
ان السؤال الكبير امام الشعب الفلسطيني هو كيفية استمرارية تعزيز وترسيخ مشروع الهوية والمواطنة الفلسطينية في الاجيال القادمة على ارضه و تحصين مكوناته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية الداخلية ، وتعميق صور الحداثة والتحديث في العمل المؤسساتي الحكومي والأهلي والخاص كونها تزيد من حركة أفكار مبتكرة تتجدد باستمرار لدى النخب بدأت ملموسة وامتدت إلى مجالات وقطاعات اقتصادية وإنتاجية واجتماعية وفكرية وثقافية حكومية وحزبية وشعبية لتمس قضايا العدل والمساواة والحرية والتقدم ومواجهة العنف وحقوق الإنسان بالتربية والوطنية والبحث العلمي ووسائل المعلومات المكتوبة والمسموعة والمرئية بفلسفتها وفنونها بما يتلاءم والوضع الاستثنائي في انشاء وبناء مجتمع ديمقراطي بعيدا عن الصدام الداخلي على اساس الوفاق والتوافق لتجاوز كافة الإشكاليات ، والدفاع عنها لم يعد يتطلب ظروفا فكرية أكثر لزوال الحواجز اللفظية التي سببتها عوامل داخلية وخارجية على حد سواء.
ان اعادة نشاط الحياة الحزبية السلمية الفلسطينية وظهور المشاركات الفاعلة في العملية الديمقراطية في اجواء فكرية حكيمة والتي ظهرت في الآونة الاخيرة في انتخابات الجامعات يعتبر نمطا جديدا من التعايش القائم على الاقتناع الحر للفرد برأيه في تحمل المسؤوليات بعيدا عن الوصاية ورفض ذهنية التأثيم على كل الكوابح المقيدة للتفكير الحر بالمسؤولية الجماعية.
في ظل المعطيات المرتبطة بحسم انهاء الانقسام الفلسطيني واسترجاعه لبعده الوطني المنسجم مع ارادة الشباب الذين يمثلون اكثر من نصف المجتمع الفلسطيني إلى الالتزام بتوظيف مواجهة آليات الصراع بالطرق المشروعة والسلمية نحو سياسات التهجير والاعتقال وعدم الالتزام بالقوانين والقرارات والمواثيق والاتفاقيات الدولية من جانب الحكومة الاسرائيلية ، ووفقا لكل هذه المعطيات والعوامل يمكننا اليوم تشخيص حالتنا الفلسطينية بأنها وصلت الى النضج السياسي الحضاري بتأكيدنا على مواصلة التعاون والتشبيك بين ابناء الشعب الفلسطيني في كافة اماكن تواجده والعمل على التحديث والحداثة التي تؤشر عليها حالة التطلع المستقبلي إلى الابتكار والتجديد لبناء الدولة الفلسطينية عند النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأكاديمية ، الأمر الذي يؤشر إلى البُعد عن البحث عن المجهول ،والاستفادة من سيرورة الاجتهاد القيادي السياسي الحكيم .
كل ذلك يؤكد بأن المرحلة القادمة هي مرحلة تحد لوجودنا كفلسطينيين مع الاحتلال الاسرائيلي ولكنها هذه المرة مع الالتزام بالتصالح القيادي والحزبي وثباته من جهة وعلى التقييم والتجديد في بناء المؤسسات من جهة ثانية.