شعرة كيري والناطق المجهول..
عندما نقرأ تصريحاً منسوبا لمسؤول رفض الكشف عن اسمه، يجب ان نعرف فوراً ان ما يقوله هذا الناطق المجهول هو الاقرب الى الحقيقة، مما يقوله الناطقون المعلومون.
والناطق الذي رفض البوح عن اسمه، وضع نقطة على جدول اعمال السيد كيري ، في لقاء لندن، مع الرئيس محمود عباس، وهي .. التباحث في امكانية احياء المفاوضات. وهذه نقطة منطقية بل وموضوعية ، فما الذي يمكن ان يبحث مع كيري غير ذلك.
فبعد ايام قليلة من انتهاء المدة المحددة لبلوغ اتفاق فلسطيني اسرائيلي، تجد الاطراف جميعا نفسها امام حتمية خفض منسوب الحرب السياسية الانفعالية ، بما تعد به هذه الحرب من تداعيات ميدانية يخشاها الطرفان الفلسطيني والاسرائيلي، وتخشاها بصورة اكثر جدية ، اوروبا وامريكا، فبعد الاعتراف الامريكي بالوصول الى طريق مسدود، وبعد رد الفعل الفلسطيني بالذهاب الجزئي الى المؤسسات الدولية، والتقدم خطوات فعلية حول المصالحة مع حماس ، وبعد سلسلة التهديدات والاجراءات الانتقامية التي اتخذتها اسرائيل، فيبدو منطقيا ان تبدأ ودون ابطاء عملية احتواء امريكي للموقف ، دون الاسراف في تعليق الآمال ، ذلك ان الامريكيين الذين لم ولن يعترفوا بفشلهم، انتقلوا هذه الايام الى وضع مختلف في التعامل مع الملف الفلسطيني الاسرائيلي، او بتعبير ادق عادوا الى مرحلة ادارة الازمة والحد قدر الامكان من التدهور والانهيار.
واذا ما وضعنا في الاعتبار، تلك الغيوم التي انتشرت في سماء العلاقة الامريكية الاسرائيلية، ولو على صعيد التصريحات السلبية المتبادلة ، فان لقاء عباس كيري في لندن، ربما يكون لفتة امريكية باتجاه تخفيف الضغط على الفلسطينيين، واخراجهم ولو جزئيا من دائرة الاتهام المباشر بالمسؤولية عن فشل كيري .
واتوقع من الرئيس عباس، ان يذكر السيد كيري بسلسلة الاجراءات الاسرائيلية المعوقة لجهوده والتي بدأت منذ اللحظات الاولى لقيام الوزير كيري بجهده، اذ لم يخل يوم واحد دون ظهور معوق اسرائيلي مقصود، بما في ذلك سلسلة الاهانات التي لم تتوقف، سواء للرئيس اوباما او لوزير خارجيته او للسيد مارتن انديك، وليس التذكير بهذا من اجل المحاججة واثبات المثبت، وانما من اجل امر اكثر اهمية، وهو حتمية تغيير الاسلوب الامريكي في التعامل مع العملية السياسية، وبالذات في التعامل مع الموقف الاسرائيلي، والنموذج الاوروبي يصلح لان يحتذى به امريكيا.
ان التمادي الاسرائيلي في تعطيل العمل الامريكي في الشرق الاوسط، الى حد تفريغ الدور الامريكي من مصداقيته، ينبغي ان يعالج على مستوى الادارة ، وبما يتناسب مع حجم المصالح الامريكية في الشرق الاوسط، وحين تفشل امريكا في التقدم خطوة واحدة، وتدرك ان المسؤول الاول والاخير عن هذا الفشل هو الحليف الاسرائيلي، فمن اين يأتي النجاح لامريكا في باقي الملفات، وما اكثرها في منطقتنا وفي العالم .
ليس موضوعيا ولا منطقيا توقع انطلاقة دراماتيكية للعملية السياسية بعد تدهورها الاخير ، وليس واقعيا افتراض ان في جعبة كيري ترياقا يشفي المريض الذي تدهورت حالته بعد انقضاء الاشهر التسعة، بحيث عادت الى ما دون الصفر، الا ان الواقعي اكثر هو وضع الادارة الامريكية امام مسؤولياتها تجاه ما تم وما سوف يأتي.
ان الذي ينبغي ان يربط الولايات المتحدة بالسلام في الشرق الاوسط، ليس مجرد شعرة تسمى الان بشعرة كيري، وانما امور اخرى يعرفها كل من راقب الاداء الامريكي في الملف الفلسطيني الاسرائيلي، فهو اداء يستخدم القفازات الحريرية في مواجهة السياسات الملتهبة لاسرائيل.