كثير من الجهل مفيد
لم تعد الحروب المتفجرة في العالم العربي، خصوصاً في سورية والعراق، مجرد مخطط أو مؤامرة للتقسيم على أساس سياسي مذهبي. بل أصبحت واقعاً يفرض أيديولوجيته على الجغرافيا. من أجل ذلك شكلت جيوش كبيرة. ومن أجل ذلك تلوذ دول كثيرة بالصمت عما يجري في العراق، وتشترك في القتال في بلاد الشام. وليس تنظيم «داعش» أو «جبهة النصرة» الموضوعتان رياء على لوائح الإرهاب سوى التعبير الظاهر والأكثر فجاجة عن هذا الانقسام. فما لا يستطيع قوله السياسيون والمسؤولون يقوله الناطقون باسم الجماعات المسلحة. تصريحات العدناني لا تعبر عن فكر «داعش» وحده، بل عن أيديولوجيا خرقاء متجذرة في التاريخ لم تستطع كل عمليات التحديث والتمدين محوها لأن الحداثة لم تطاول سوى الشوارع والناطحات، بينما بقيت العصبيات القبلية والمذهبية، بالمعنى الخلدوني للكلمة، كما كانت، قبل الإسلام وبعده، وإلا كيف نفسر وجود حواضن شعبية وحكومية رسمية لتنظيمات إرهابية. تنظيمات ليس لديها اي رؤية للحكم سوى ما تعلمته على ايدي مدرسين أميين يعيشون في ماض لا يعرفون عنه شيئاً سوى بعض ما حفظوه من «تعاليم» سياسية مبنية على تواريخ الفتن الكبرى، بما فيها من تزوير وتشويه وجهل.
في تصريحاته عما يدور في العراق ذهب العدناني إلى أن «داعش» ستحرر بغداد، ممن ولماذا؟ وما مشروعه أو رؤياه للخلافة؟ وهل يعرف، مثلاً، أن عاصمة العباسيين كانت في مرحلة ما مثالاً للتعايش والانفتاح على كل المذاهب والتيارات، وأنها أسست للحداثة الأوروبية بما أنتجته من فكر وفلسفة وعلوم في شتى المجالات؟ أم أن هذا لا يعنيه؟
هذا الجهل المطبق للإسلام الحضاري، والتمسك بالجانب المظلم واستعادته في القرن الواحد والعشرين، يقابله وعي حديث للسياسة في الجانب الآخر من العالم. في الولايات المتحدة والغرب عموماً ينظرون إلى المسألة على ضوء المفاهيم السياسية والاجتماعية، ويخططون لتوجيه الأحداث بما يخدم مصالحهم. التقسيم هو العنوان الرئيسي لهذه المصالح فوحدة بلاد الشام والعراق، على أسس معاصرة وحديثة تصيبهم بالهلع لأنها تغير كل الخريطة السياسية بدءاً من دمشق وانتهاء بموسكو، وانطلاقاً من بغداد إلى شواطىء الأطلسي في المغرب. التجارب التاريخية الإسلامية تؤكد ذلك. يكفي أن نستعيد التجربتين الأموية والعباسية، كي نبقى في الأجواء الإسلامية، أو فلننظر إلى التجربة العثمانية. لم يستطع العثمانيون التمدد والانتشار في العالم إلا بعد إخضاعهم سورية والعراق.
ليس لـ «داعش» ولا لـ «النصرة» علاقة بالإستراتيجيات الكبرى. إستراتيجيات الإسلام السياسي عموماً قائمة على فهم طائفي ماضوي للتاريخ والجغرافيا، بينما الدول الحديثة ترى إلى بلادنا كتلة جيوسياسية واحدة. لذا لا يهمها إن كان الإرهاب منتشراً فيها أو ساعياً إلى تقسيم هذه الكتلة، وتعاطيها مع الإرهاب ينطلق من هذا الفهم. ردود فعلها على ما حصل ويحصل في سورية ليست في المستوى المطلوب إنسانياً. بل هي تعمق الانقسام وتدعم الساعين إليه بالسلاح والعتاد والتدريب. وتحتضن المستوى السياسي للإرهاب لتوهمنا أنها تسعى إلى نشر الديموقراطية في ربوع «الربيع العربي».
أخطر ما واجهه الغرب وفي السابق، كان التقارب العراقي السوري، فسعى منذ أيام الزعيمين البعثيين (هنا المفارقة) صدام حسين وحافظ الأسد، وقبل ذلك بكثير، إلى تعميق الخلاف بين الدولتين على أسس طائفية. والآن يرى ما يحدث في البلدين خدمة كبيرة لمصالحه فتحرك «داعش» الأخير يؤسس لدويلة تمتد من حلب إلى الموصل، تقابلها دويلات أخرى هي عبارة عن جزر مذهبية طائفية متناحرة. ولا بأس إذا نفذ هذا الهدف على إراقة الدماء، بل هذا هو المطلوب، فالسيوف التي تقطع الرقاب تقسم الجغرافيا أيضاً.
كثير من الجهل والقتل يفيدان الغرب.