عقوبات جماعية بكل المقاييس
ما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ يوم الخميس الماضي لا يمكن وصفه بأقل من كونه عقوبات جماعية تمارسها السلطات الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، على مرأى ومسمع من العالم كله، ودون أي اكتراث بالمواثيق والقوانين الدولية التي تحظر التعرض للمدنيين في الأراضي المحتلة.
فبعد ما تردد عن اختطاف ثلاثة مستوطنين يهود في ظروف غامضة حتى الآن شنت السلطات الاسرائيلية حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت العشرات، وربما المئات، من الناشطين والنواب والوزراء الفلسطينيين السابقين في مختلف أنحاء الضفة الغربية. ونفذت غارات جوية على قطاع غزة، وأغلقت مدينة الخليل وحولتها إلى سجن كبير، كما أن تعاملها مع المواطنين الفلسطينيين في المعابر تغير نمطه إلى الأسوأ.
وهذا ما حدث بالنسبة للأسرى في السجون الاسرائيلية الذين منعت السلطات زيارة ذويهم عنهم، كنوع من العقاب غير المبرر.
كل هذه الممارسات الجائرة تندرج في نطاق العقوبات الجماعية للشعب الفلسطيني، لأن أهالي الخليل وقطاع غزة والناشطين والنواب والوزراء السابقين يعاقبون دون أن يرتكبوا ما يسوغ إغلاق مدنهم وليس تبريرا مقنعا لشن الغارات الجوية على القطاع.
والهدف من اعتقال هذا العدد الكبير من الأبرياء. والهدف من هذه الاجراءات، كما لا يخفى، هو الانتقام الكيفي وتخويف المجتمع الفلسطيني، وبث روح الرعب في صفوفه، على خلفية ما تردد عن خطف المستوطنين الثلاثة.
والغريب، من الناحية الأخرى، أن الحكومة الاسرائيلية تطلب من السلطة الفلسطينية مساعدتها في البحث عن المخطوفين، بينما هي تعلم جيدا، والعالم كله يعلم أن قواتها العسكرية والشرطية تسيطر على كافة الأراضي الفلسطينية المحتلة وتتحرك فيها بحرية تامة، حتى في منطقة (أ) التي من المفروض أن تخضع للسيطرة الأمنية والإدارية الفلسطينية. والسؤال هو :هل تمتلك قوى الأمن الفلسطينية حرية التحرك وزمام المبادرة في المنطقتين (ب) و (ج) لتلبية طلب المساعدة الذي وجهته لها الحكومة الاسرائيلية للبحث عن المختطَفين- لو افترضنا جدل، اومن باب "ملاحقة العيار لباب الدار"، أن السلطة قد تستجيب لهكذا طلب؟.
هناك عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعانون من هذه العقوبات الجماعية الاسرائيلية، لكن المجتمع الدولي ينظر بعين واحدة كالعادة ولا يرى إلا وجها واحدا من المشهد الراهن، :وهو ما يتردد عن خطف شبان يهود يافعين ما تزال قصة فقدانهم غامضة، حتى بالنسبة لأجهزة الأمن الاسرائيلية نفسها.
وليست هذه هي المرة الأولى التي يتحمل فيها المجتمع الفلسطيني بأسره قسوة ولامعقولية ردود الفعل الاسرائيلية على هكذا أحداث، كما ليست المرة الأولى التي يغمض فيها المجتمع الدولي عينيه عن هذه العقوبات الاسرائيلية الجماعية بحق الشعب الفلسطيني الأعزل، والمواطنين الفلسطينيين الأبرياء.
والمفروض أن يتعامل العالم مع هذه الممارسات الجائرة باعتبارها عقوبات جماعية، وليست ردود فعل عابرة على حادثة اختطاف. لأن التعامل مع حادثة من هذا النوع يفترض أن يتم دون أن يلحق الضرر والمعاناة بالمجتمع الفلسطيني كله. وهنا يبرز تقصير الأسرة الدولية في القيام بمسؤولياتها تجاه أمن الفلسطينيين، وحقهم في الحياة الطبيعية مهما بلغ من حدة الظروف والأحداث على الساحة الفلسطينية- الاسرائيلية.