الأسرى فرصة سانحة!

2014-06-26 10:22:00

لم تعد قضية الأسرى الفلسطينيين في السجون الاسرائيلية وطنية وحسب، بمعنى أنّها ليست فقط قضية تهم جزءا كبيرا من الشعب الفلسطيني، وليست قضية إنسانية وحسب بل هي قضية سياسية الآن، أكثر من أي وقت سابق؛ على صخرتها تحطمت المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية أكثر مما تحطمت على صخرة القدس أو المستوطنات، وبمجرد (اختفاء) ثلاثة مستوطنين قبل نحو أسبوعين شمال الخليل، حتى تبادر للذهن أنّهم اختطفوا ليكونوا رهائن لتبادل الأسرى، ما يدل على التحفز في الشارع بشأن هذه القضية.
كان الأسرى دائماً قضية ساخنة، ودليل ذلك أنّ العمليات العسكرية لتحريرهم بدأت منذ بداية السبعينيات على الأقل، سواء داخل فلسطين أو حتى خارجها، ولكن القضية الآن أكثر إلحاحاً. والأسباب في ذلك متعددة، أولها، أنّ انتقال ثقل العمل الفلسطيني إلى داخل الأراضي المحتلة، منذ مطلع الثمانينيات زاد عدد المعتقلين، وثانيا، أنّ الأسرى يشعرون بأنّ قضاياهم باتت معزولة سياسياً، بمعنى أنّ حالة الجمود السياسي في الخارج، سواء بتراجع الحركة الوطنية والنضالية عموماً، لصالح نضالات مناطقية محلية وفردية، أشعرهم بفداحة الثمن الذي يدفعونه، وبانعدام الأفق النضالي والسياسي. بمعنى أنّهم كانوا في زمن فائت يشعرون أنّهم جزء من ثورة مشتعلة، أو أنّ هناك عملية سياسية تفاوضية، ستأخذ وضعهم بالحسبان، وكل هذا لم يعد مطروحا الآن، وبالتالي لا يوجد سواهم من يقرع الخزان، ويطالب بالالتفات لهم، بأدوات مثل الإضراب عن الطعام، وطلب ذويهم بالتفكير بطرق للضغط على الاسرائيليين.
أوقف الأسرى، أو الجزء الأساسي منهم، وغالبا سيلحق الجميع، إضرابهم عن الطعام أمس. للأسف لم تتدخل أي دولة عربية للوساطة ومحاولة تأمين استجابة لمطالب الأسرى وقضاياهم العادلة، خصوصا الدول ذات العلاقات الدبلوماسية مع الاسرائيليين، أي الأردن ومصر.
أول من أمس لم تمر تصريحات أمهات المستوطنين الثلاثة المختطفين أمام لجنة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة لاستعطاف العالم بشأن أبنائهن دون رد، بل إنه قبل أن يتحدثن، خطب ممثلو منظمات حقوق إنسان واتهموا الاسرائيليين حتى بأنّهم يرتكبون جرائم حرب، ويختطفون المجتمع الفلسطيني بأسره.     
من الظواهر الجديدة في نِضالات الأسرى أنّهم يبادرون بمجموعات صغيرة وكبيرة، وحتى أحياناً على نحو فردي، للإضراب عن الطعام، وهو أسلوب مؤلم جدا ومتعب جدا للأسرى ولأسرهم ومجتمعهم، ولكن هذه هي طريقة قرع الخزان المتاحة.
الغريب أنّ العالم كله يتعاطف مع الأسرى، باستثناء الحكومات. الإجراءات الأخيرة التي أعلنتها الحكومة الفلسطينية، من اتجاه إلى حل وزارة شؤون الأسرى، وتكوين هيئة بديلة، سببها الرئيس احتجاجات المانحين الدوليين، بتحريض اسرائيلي على أن تدفع أموال المانحين لعائلات الأسرى. بالعكس وكما شهدنا في لجنة حقوق الإنسان هناك تفهم لحقيقة الظلم الذي يعيشه الشعب الفلسطيني والأسرى.
بات الأسرى جزءا أساسيا من أسباب تعثر المفاوضات، ويمكن لأي حكومة عربية أو دولية تريد أن تلعب دوراً في عملية التسوية، بل وأن تلعب دوراً يلقى قبولا واحتراماً شعبياً، أن تسعى للعمل على ملف الأسرى. والتحرك يمكن أن يكون باتجاهين، الأول الضغط والوساطة لأجل إطلاق الأسرى. وعلى سبيل المثال كانت مصر جزءا من الوساطة في صفقة إطلاق الجندي الصهيوني جلعاد شاليط، والآن يعاد اعتقال الأسرى الذين أطلقوا حينها، فلماذا لا يمكن لمصر لعب دور، خاصة أنّ خرق تلك الصفقة يهدد مكانة مصر كوسيط. وفي اتجاه ثانٍ، فإنّ ملفات الاعتقال الإداري، والاضطهادات التي يتعرض لها الأسرى الفلسطينيون خرق لحقوق الانسان يمكن متابعته، سواء في المنظمات الدولية أو مع الحكومات حول العالم.
هناك ملف غزير من التمييز الصهيوني، من حيث معاملة المجرمين الذين استهدفوا فلسطينيين وقتلوهم، والذين يحظون بمعاملة "ترفيهية" غير عادية، أو الآن الضجة التي يراد إثارتها حول المستوطنين المختطفين. وهذه الازدواجية من شأنها زيادة الاحتقان في الشارع الفلسطيني والعربي، وبالتالي يمكن لحكومات عربية أن تطرح هذا الوضع باعتباره خطرا أمنيا، وهو فعلا كذلك، يهدد بمزيد من توتر الشارع الفلسطيني والعربي، المتوتر أصلا، وتقديم الأمر على أنه قضية رأي عام، وقضية أمن، تحتاج لعلاج عاجل.