المصالحة الوطنية أولاً
عادت لغة الخلاف والتباعد والانشقاق، تتصدر الخطاب السياسي الفلسطيني منذ اختفاء المستوطنين الثلاثة. لم يقتصر ذلك على اتجاه أو فصيل بعينه دون سواه، للأسف، بل عادت تلك اللغة بأبعادها التراكمية منذ ما حل الانقلاب العسكري في غزة، وتجديداتها وأبعادها التخوينية والتشكيكية، وكأن ما تم الاتفاق عليه أصبح جزءاً من الماضي.
المعركة السياسية الفلسطينية لا تزال قائمة، وما حدث في اختفاء المستوطنين وما تلاه من إجراءات إسرائيلية قمعية، وشبه اجتياحات للمدن الفلسطينية، لا يشكل في حقيقة الأمر، فاصلة في سجال طويل. صحيح أن ما حدث مؤلم وموجع، وصحيح أن ما ترافق معه من تصريحات رسمية وغير رسمية، جاءت متعددة، بل ومتضاربة، لكن ما حدث من تصدر لغة الخلاف مجدداً، ليست مبررة على الإطلاق.
إسرائيل هي من تقوم بسجن الأسرى، وهي التي تتمنع عن إطلاق سراحهم، أو اعتبارهم أسرى حرب، وهي التي تسن القوانين "القراقوشية" وتنفذها، وفي المقدمة منها الاعتقال الإداري.
وهي التي سبق لها وأن اجتاحت المدن الفلسطينية، بدباباتها، وهي التي قصفت مقرات السلطة وأزالتها فيزيائيا عن الوجود، وهي التي قامت بحصار الرئيس ياسر عرفات، ومن ثم سمه وهي .. وهي ..
السلطة الوطنية الفلسطينية مستهدفة، ورأس السلطة مستهدف، وحكومة الوفاق الوطني مستهدفة، وهدف العدوان كله، الوفاق الوطني، وما تم الاتفاق...
قضايا كثيرة، وأهمها الملف الأمني، هو من القضايا التي ستتم إعادة فتحها والتوافق على صيغ ترضي الجميع الفلسطيني. التنسيق الأمني، هو مفهوم غير واضح لشرائح واسعة من الشعب الفلسطيني، ويجب توضيحه للجميع، وهو من القضايا، التي سيتم تناولها في مجريات المصالحة الوطنية، وصولاً للانتخابات التشريعية والرئاسية في آن.
على الفصائل كافة، خاصة تلك التي انخرطت في الخطاب المتعادي والمحرض خاصة على السلطة ومؤسساتها أن تعيد حساباتها مجدداً.
ما تم إنجازه من حالة وفاق، وقيام حكومة الائتلاف الوطني، هو إنجاز ذات طبيعة استراتيجية، يمكن البناء عليه، وصولاً لتحرك سياسي مشترك، قوي ومتماسك، وبالتالي النظر لصغائر الأمور، على أنها صغائر، في مجريات العمل الاستراتيجي القائم على وحدة الصف، ووحدة الموقف ووحدة الأداة القيادية.
القضايا كلها، ستكون موضع حوار داخل الإطار الفلسطيني الواحد. الملف الأمني، وملف "م.ت.ف"، وإعادة تفعيلها وهيكلتها، والتمهيد سياسياً لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية.
ما حدث من اتفاق، وما جرى عملياً في قيام حكومة الائتلاف الوطني الفلسطيني، وما يجري عملياً من تحرك فلسطيني جاد، في مؤسسات العمل الدولي، هو أكبر بكثير مما جرى في الأسبوعين الفائتين!!!