خطوات أحادية تتناقض مع عملية السلام
بالأمس وعقب العثور على جثث المخطوفين في منطقة حلحول، صدرت ردود فعل من جانب رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو وعدد من أركان حكومته- ومنها على سبيل المثال كلام عن مستوطنة جديدة في المنطقة التي عثر فيها على جثث المخطوفين، وعقوبات من المؤكد أنها ستكون جماعية- ووفقا لتوصيفها الراهن فلن تكون غير ذلك، على قطاع غزة.
وفي البداية وقبل كل شيء، فإن سفك الدماء على الجانبين مرفوض ومدان، وقد عبر الرئيس محمود عباس عن هذه الفكرة في خطابه أمام مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة الشهر الماضي. ولكن بقدر ما تتم إدانة سفك الدماء والقتل في أي مكان على الساحة الفلسطينية- الاسرائيلية، فإن الموقف الاسرائيلي من قتل الفلسطينيين الأبرياء لا يتساوق مع الموقف الفلسطيني من قتل الاسرائيليين، كما تعلنه السلطة الوطنية الفلسطينية دائما.
ويسقط العشرات من الفلسطينيين في القطاع والضفة الغربية، وخصوصا منذ اختطاف الشبان المستوطنين الثلاثة، وقبل ذلك طيلة الاحتلال، دون أن يكون هناك استنكار من قبل المسؤولين الاسرائيليين، أو أوامر حاسمة بوقف التعرض للفلسطينيين الأبرياء أو المساس بحياتهم وممتلكاتهم وحرياتهم.
وفي نطاق ردود الفعل الاسرائيلية على ما يجري في المنطقة عامة، وتحديدا على التطورات في العراق وجواره السوري، وتقدم المسلحين الذين تقودهم "داعش"، فإن رئيس الوزراء الاسرائيلي يستغل هذه التطورات لتكريس الاحتلال وفرض مفهومه المتناقض مع عملية السلام. فهو يعتزم إقامة جدار فاصل على طول ما يصفه بالحدود الاسرائيلية مع الأردن- وهي الحدود التي تشمل حدود فلسطين مع الأشقاء الأردنيين بطبيعة الحال، وهذا ما لا يشير إليه نتنياهو عن قصد بطبيعة الحال.
ومن المعروف أن قضية الأغوار من القضايا التي تسبب التعنت الاسرائيلي تجاهها في تجميد مفاوضات السلام التي رعتها الولايات المتحدة حتى نهاية نيسان الماضي. فإسرائيل لديها أطماع في الغور وهي أطماع معلنة، وقد جاءت قضية "داعش" لتوفر فرصة ذهبية لحكومة نتنياهو للتشبث بالوجود في الأغوار، علما بأن إمكانية وصول المتطرفين الإسلاميين إلى خط الغور الحدودي غير واردة. وهي وفقا لواقع القوى المناعضة لداعش في كل من الأردن وسوريا والعراق، مضافا إليها الغرب وعدد من الدول العربية الأخرى، في حكم المستحيل أو شبه المستحيل. لكن رئيس الوزراء الاسرائيلي يريد أن يبني استمرارية الاحتلال على رمال الوهم الذي لا يتفق مع الواقع.
وما يجب أن يعرفه العالم هو أن العمملية العسكرية الاسرائيلية التي أعقبت خطف المستوطنين الثلاثة تسببت في معاناة كبرى لقطاعات كبيرة من أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع. وهذه القطاعات في معظمها غير مسيَّسة ولا تنتمي لتيار معين، لكنها تدفع ثمن هذه العقوبة الجماعية ولا تتحمل أي مسؤولية فيما يتعلق بهذه الحادثة.
والمفروض أن يبني الرأي العام الدولي مواقفه من هكذا أحداث على هذه الحقيقة السافرة، وعلى التعامل مع ردود الفعل الاسرائيلية على أنها إما عقوبات جماعية، أو أنها إجراءات أحادية لا تخدم قضية السلام، ولا تساعد في إنهاء الصراع المرير وتحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة.