أبو طارق رجل المقهى اللطيف
عرفتك في آخر مرة التقيتك فيها على شخص لطيف قابلته على مقهى حينا القديم. عرفت اسمه، هو أبو طارق، سعدت بالحديث معه وسعدت أكثر بالتفكير معه.
هناك أنشطة إنسانية كبيرة تستطيع أن تمارسها بمفردك ومنها عملية التفكير بالطبع، غير أن ممارسة عملية التفكير في وجود شريك مفكر هو أمر مفيد وممتع للغاية.. ولكن في كل الأحوال أرجو ألا تفهم من كلامي أنني أحد هؤلاء الذين يطلق عليهم اسم مفكر، أنا فقط أفكر أحيانا في أوقات فراغي.
كان أبو طارق هذه المرة يجلس في المقهى غارقا في التفكير، لمحني وأنا داخل فقال بصوت مرتفع: أهلا يا أبو علوة.. أين أنت؟
بعد أن جلست سألني: ماذا تفعل إيران هذه الأيام.. أليس من الواضح أنها لا تفعل شيئا هذه الأيام؟ المنطقة كلها تغلي بالأحداث والغرب البعيد يخرجون من اجتماع ليدخلوا اجتماعا آخر يناقشون فيه كيف يتعاملون مع منطقتنا، بينما إيران لا تأخذ خطوة واحدة واضحة على مستوى الأحداث.. لا أصدق أنه ليس لديها ما تفعله، وفي السياسة عندما يكف طرف عن فعل شيء فمعنى ذلك أنه يفعل شيئا آخر لا تراه أنت.. فما هو؟
لم أرد عليه، أردت ألا أقطع عليه حبل استرساله فواصل: منطقتنا وربما العالم كله، يمر بمرحلة جديدة تفرض على الناس جميعا خيارين لا ثالث لهما؛ أن ينضموا «للعيال الطيبينGood guys» أو ينضموا «للعيال الأشرار.. Bad guys » لا يوجد هذه الأيام طريق ثالث كما لا توجد طريقة للتذاكي واللعب على الحبال.. دعنا من على هذا المقهى نوجه سؤالا للسيد روحاني: يا سيد روحاني.. مع من أنتم.. هل جاء الوقت للانتقال إلى المرحلة القادمة من الثورة وهي العيش في سلام مع جيرانكم ومع العالم كله؟ والله يا سيد روحاني، عندما وصلت إلى الحكم في إيران استبشرنا بك جميعا وقلنا هذا رجل حرية وسلام ولكن من الواضح أن جو الثورة السائد، حولك إلى واحد من الخائفين من الحرية والسلام.. بعد فترة قليلة ستنتهي مدة رئاستك.. اسأل نفسك، ماذا سيقول عني المؤرخ بفرض أنه سيجد ما يقوله.. رجل الدولة الحقيقي عينه على المؤرخ وليس على الشارع.. لا بد أن تعيدوا النظر في مفهوم الثورة عند الإمام الخميني، مفهومه عنده كما قال هو: الثورة مثل راكب الدراجة..
عليه أن يبدل طول الوقت لكي لا يقع على الأرض.. لا أتصور قيادة دولة تركب الباسكليت إلى الأبد.. على الثائر أن يتوقف ليركب موتوسيكلا، أو سيارة، أو طائرة، عليه أن يفكر في وسيلة توصله إلى محطته النهائية مع نفسه ومع جيرانه ومع العالم كله.. لا بد أن كل الثوار عندكم قد شبعوا من الثورة، غير أن المتطرفين بينهم عاجزون عن الإحساس بالشبع.. الثائر يعرف أين ومتى يتوقف، أما المتطرف فهو يستمر في طريقه إلى أن يروح في داهية.. ماذا يا أبو علوة.. لماذا أنت صامت طول الوقت؟