المهاجرين

2014-09-11 06:37:00


كنت كتبت قبل سنوات مقال بعنوان نحن الشباب في ذمة الله واخترت هذا العنوان الصادم أملا في تسليط الضوء على معاناة فئة الشباب في فلسطين عامة وقطاع غزة خاصة ,ولفتت في ما كتبت لان هناك جيل بأكمله يتبخر عمره أمام ناظري الجميع وهذا الجيل وصفته بأنه قد وصل إلى سن المعاش دون أن ينخرط في مشاركة المجتمع والاستفادة من طاقاته .

المهاجرين هي ذاتها تلك الفئة التي أكلتها نار البطالة واليأس والإحباط حتى باتت تشعر بالغربة في الوطن الأمر الذي دفعهم للبحث عن الحياة في جوف الموت علاوة عن الانقسام البغيض الذي زاد من اغتراب شريحة كبيرة من أبناء هذا الوطن الذي وجد نفسه بين مطرقة الإهمال وسنديان تقاذف المسؤوليات .

حتى هذه المشكلة التي أثيرت منذ بدأ تعاظمها وازدياد الإعداد التي تغادر الوطن حتى أصبحت أمر ملفت لا يمكن تجاهله لم تثار إلا من باب المناكفة الحزبية  لتحميل جهة بعينها المسؤولية عما لحق بهؤلاء وتسجيل نقطة عليه أو شن هجوم على هؤلاء الشباب وتوصيفهم بالفارين من الحرب جبنا رغم أن حجم المخاطرة التي يخوضها المهاجرين لا تقل عن الموت الذي كان ينتظره أهل غزة في كل لحظة ولم نرى إلا مواقف نادرة وصفت الحالة بشكل محايد وأمين.

لا يجب أن يتخلى احد عن مسؤوليته في هذه الظاهرة التي جعلت أبناء غزة يتركون وطنهم باحثين عن الأمل في ارض غريبة فالجميع مسئول بنفس القدر وان كان على من يدعي الشرعية في الولاية العبء الأكبر وهنا ليختار كل من يطالب بالشرعية في الوصاية على المواطنين أن تكون شرعيته كاملة بتحمل مسؤوليته اتجاههم لتصبح شرعيته حقيقية فانا اعتقد أن حجم الشرعية يحددها حجم العبء الذي تتحمله الشرعية تجاه المواطنين ومشكلاتهم ,و لا اعتقد أن ترك مواطنين تحت حصار جائر برا وبحرا وجوا لفترة تزيد عن الثمانية سنوات تمنح شرعية ,وبعدها بكل بساطة يتم إلقاء العبء على الشاب الذي أصبح إطعام ذاته هو مشكلة تؤرقه دون أن نتحدث عن أمله في صنع مستقبل وبناء بيت وأسرة .

الكل مسئول من كل الجهات والفصائل والقيادات عن هذه الفئة التي أكلتها الحسرة واليأس وهي تحترق بصمت وتصرخ أمام الجميع نحن نموت كل لحظة وجميعكم ينظر فعلى ماذا يحاسب هؤلاء الشباب والكل نصب نفسه نائب عام في اختصامهم ,لا اعتقد أن من يرتدي حلة وربطة عنق وتفوح منه رائحة العطر ويهبط من مركبة ثمنها يكفي لحل أزمة عشرة من الشباب من حقه الحديث عن هذه الفئة على شاشات التلفزيون لأنه حتما لا يعلم ما يعانوه ولا يعرف كيف يعيشون وكيف يتألمون إذا صح تعبير يعيشون ,فهم أموات مع وقف التنفيذ.
ومازال مسلسل ظلم هؤلاء الشباب مستمر حتى اللحظة ,فبعد كل التهميش والنسيان والترك الذي لاقوه يستمر ذات التهميش لهم في محنتهم وكأنهم أبناء لقطاء أو ضالين كانت البلد سعيدة في استبعادهم ,نجح عدد من هؤلاء الشباب في الوصل إلى قبلتهم الجديدة وأملهم في صنع نور لهم من العتمة الطويلة التي عاشوها ,لكن جزء منهم لم يحالفهم الحظ أو قد فعل ولم يستطع ركوب أمواج الموات وقوارب الانتحار فتم ضبطه من السلطات المصرية ,وعدد كبير منهم الآن موجود في السجون ينتظر محاكمته ,و الغريب انه لم تتدخل أي جهة رسمية حتى هذه اللحظة لمساعدة هؤلاء الشباب وكأنها طريقة لمعاقبتهم بشكل غير مباشر على رفضهم لواقعهم المظلم الذي كانوا يعيشونه فأين خارجيتنا وسفارتنا في القاهرة من معاناة هؤلاء المواطنين  .

على جهة ما التدخل الفوري وإنقاذ شبابنا من شبح السجن الذي يخيم فوق رؤوسهم فهم ليسوا بحاجة إلى مزيد من الضياع والإحباط واليأس .

نعم نرفض هجرة الشباب بشكل جائر وعشوائي ولكن في ظل عدم استفادة البلد من هذه الطاقات البشرية هل تبقى هذه الإمكانات مهدرة ومعطلة وعبء على الأسر والحكومة بحجة عدم تسرب الكفاءات وتحت شعارات وطنية مطاطة وفضفاضة دون اخذ أي دور وتحمل أي مسؤولية تجاههم ,لماذا لا يتم تسويق هذه الطاقات البشرية الفائضة عن حاجة الوطن بشكل منظم شرعي ومدروس لفترات محددة تزيد من كفاءتها وتدريبها وتفتح أفق جديد لها وللبلد في دول العالم دون تحفظ ,مع إبقاء صلة الوصل بين هذه الفئات والوطن قائمة طالما إنها لم تتسرب بشكل غير شرعي
فإنها عائدة لوطنها لا محال .

هل من الممكن أن نرى غدا أفضل يهتم بالشباب ويفكر في حياتهم ومستقبلهم واحتياجاتهم ويأخذ بعين الاعتبار آمالهم وطموحهم وابسط مطالبهم في حياة كريمة وان يكون الشباب ضمن أجندة كل حزب وفصيل ومسئول وحكومة فقبل أن نحاكم الشباب علينا أن نحاكم واقعهم .