الكرسي
يقال " إن قعد عليه لزق" ، فهو عندنا وفي محيطنا العربي يختلف عن باقي دول العالم. خبر الاستقالة في نيوزيلاندا- على سبيل المثال- لا يثير الدهشة، أما في عالمنا العربي فهو نادر الحدوث وإن حدث يقال" بكره بدوب الثلج وببين إلي تحته".
التخلي عن وظيفة أو منصب تم الحصول عليه بالتعيين أو الانتخاب أدب لا يتقنه سوى أصحاب العقول المستنيرة والمبادئ الراسخة، وهو مؤشر أساس على إحترام الشخص لذاته وللرأي العام، كما ويجعل من التكليف بالمنصب وسيله يستطيع الفرد من خلاله المساهمة في بناء الأوطان وليس مصدر رزق وإمتياز حصراً مع تجاهل الأداء وتحمل المسؤولية.
ليس بالضرورة أن يقلل قرار الاستقالة من شأن صاحبه أو من إمكانياته وقدراته، ولا يعني القرار بأي حال من الأحوال انتهاء حياته المهنية ، فعلى العكس تماما من الممكن أن يفتح أفق جديدة ويحقق فوائد شخصيه وعامه تفوق البقاء في ذات المنصب. إستقال البابا بندكت السادس عشر بسبب المرض وبقيت محبته وارتفعت مكانته، إستقال أبو مازن من منصب أول رئيس وزراء فلسطيني بسبب الصلاحيات فأصبح الرئيس، وهناك من يستقيل ليرعى طفله أو يستمتع الحياة أو ليتحمل مسؤولية ويعترض على سلوك أو قرار. فقد قرأت حول استقالة وزير التعليم في اليابان بسبب رؤيته لطلاب المدارس اليابانية يمزقون الكتب مع نهاية العام الدراسي وقد علل استقالته بأنه لم يستطع جعل الطلبة يحترمون الكتاب.
ما جعلي اكتب حول الموضوع هو قرائتي لتقرير صدر عن صندوق النقد الدولي بتاريخ 12/9/2014 والذي تضمن بيانات حول نسب البطالة بين فئة الشباب( حتى 29سنه) حيث وصلت في الوطن إلى 39% وفي غزه وحدها إلى 63%، وكذلك هبوط معدل النمو في الوطن من 6.3% في العام 2012 ليصبح 1.9% في العام 2013 ليهبط في الضفة وحدها من 6% إلى 0.5% ( قبل حرب غزه). ولو تجاهلنا سياسه المؤسسات الرسمية ومؤسسات القطاع الخاص والتي بالتأكيد تتحمل مسؤولية هكذا أرقام، فأنني لا أستطيع أن أتجاهل عدم رؤيتي لخبر في صحيفة يتحدث عن استقالة أو تبرير يصدر عن مسؤول أو موظف أو صحفي في ظل معمعة التهاني وبرقيات الشكر وأخبار الانجازات والإشادات والتي لم يتبقى لها منافس في صحفنا اليومية سوى إعلان الوفيات.
الكرسي بمختلف أنواعه وأحجامه، دوار، ثابت، متحرك، طبي، صنع محلي أو أجنبي، له عمر افتراضي، وأحيانا يحتاج إلى التبديل المبكر إذا ما تعرض لضغط ولحالات جلوس في وضعيات لا تراعي قواعد الاستخدام، وكل هذا لا يعفي صاحبه من أمراض مزمنة تتعلق بقله الحركة وزيادة الوزن. إن لمغادرة الكرسي فوائد صحية جمة لا ضرر من نيلها، فعلى رأي المثل " في الحركة بركه" مع تمنياتي للجميع موفور الصحة والعافية.