مواقف المجتمع الدولي المتناقضة مع نفسها

2014-12-24 10:28:00

حين يتعلق الأمر بما تطالب به الشرعية الدولية من تسوية سلمية، فإن الأساس الحقيقي والراسخ لمثل هذه التسوية، حتى من الناحية النظرية، هو اعتراف الطرف الاسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في الوجود والتواجد على وطنه، وليس العكس، لأن اسرائيل تمتلك القوة العسكرية والتأييد السياسي والمادي والحربي القوة الدولية العظمى وهي الولايات المتحدة، وتحظى بدعم مختلف القوى الغربية والشرقية. وهذا لا يتوافر للشعب الفلسطيني صاحب الأرض والحق والعدل، في وقت لم تعد فيه لهذه القيم أي معنى في مقابل منطق القوة الذي يسود العلاقات الدولية.
ومع ذلك فقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية باسرائيل في اتفاق اوسلو المرحلي، وأصبح ممنوعا عليها بموجب ذلك الاتفاق ممارسة الكفاح المسلح لتحقيق التطلعات الوطنية المشروعة، واختارت المنظمة طريق المفاوضات السلمية العبثية، ودخلت في دوامتها ربع قرن من الزمان ازداد خلالها الاحتلال تغولا وامتدادا على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويقارب عدد المستوطنين في هذه الأراض الآن نصف عدد المواطنين الفلسطينيين إن لم يزد عن ذلك.
وبمنطق القوة يتواصل الاستيطان، ولا يفعلل العالم شيئا سوى كتابة التقارير وإصدار الاستنكارات الخجولة، وحين يحاول الفلسطينيون الخروج من شرنقة المفاوضات التي تستغلها اسرائيل للمضي في مشاريعها الاستيطانية، ومخططاتها لتفريغ الأراضي الفلسطينية، فإن القوى المناصرة لاسرائيل تقف في وجه هكذا محاولات، وتحاول بكل السبل إفراغها من أي مضمون وتحويلها إلى فقاعات هوائية لا جدوى لها ولا فاعلية ولا تأثير على قادة اسرائيل، الذين لا يرون أهمية للشرعية الدولية، ويرفضون أساسا حتى الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، وحقه في أرض وطنه وحقوقه المدنية والسياسية والوطنية الثابتة.
فقد استخدمت الولايات المتحدة في عهد رئيسها الحالي باراك اوباما حق النقض في مجلس الأمن، حتى ضد قرارات سبق للإدارات الأميركية المتعاقبة منذ الاحتلال أن وافقت عليها- ومنها اعتبار الاستيطان عقبة كبرى في طريق السلام، وضد قرار حق إقامة دولة فلسطينية في حدود العام ١٩٦٧.
وهاهي أميركا تعلن بأنها لن توافق على مشروع قرار يطالب بإنهاء الاحتلال خلال فترة زمنية محددة، وكأنها لا تعلم أن المفاوضات، حتى لو استمرت مائة عام، فلن تتخلى اسرائيل عن الاحتلال، ولن تنسحب طواعية أو تفاوضيا عسكريا واستيطانيا من الأراضي المحتلة.
ومما له دلالته التي لا تخفى على أحد- إلا إذا كان متحيزا بلا حدود لاسرائيل- أن بنيامين نتنياهو يتباهى أمام ناخبيه وأمام الجمهور الاسرائيلي بأن نجاحه وإنجازه السياسي الأكبر إنما يتمثل في إفشال المفاوضات، والحيلولة دون تحقيق ما يسمى بحل الدولتين، والاستمرار- رغم معارضة الرأي العام العالمي- في بناء وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة.
وهذا التناقض في منطق القوى المؤيدة لاسرائيل أو التي تنافقها، بين إدراكها بأن المفاوضات لا تؤدي لأي مكان وأن استمرارها مجرد خدعة للتغطية على المخططات الاستيطانية الاسرائيلية من جهة، ومطالبة هذه القوى بالعودة للمفاوضات التي تدرك بأنها عبثية بالفعل من الجهة الأخرى، هو الذي يحير أي مراقب، ويدفع به إلى استنتاج وجود نوع من التغاضي، إن لم يكن التواطؤ، على استمرار الاحتلال وتوسع الاستيطان.
وعلى هذه القوى أن تحدد موقفها بما يتفق مع المنطق السليم، بعد أن ابتعدت عن مفهوم العدالة سنوات ضوئية. وما دامت قرارات الشرعية الدولية قد طالبت بإنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية على خمس أراضي فلسطين الانتدابية، فلا أقل من أن تبذل جهودا فعالة لتنفيذ هذه القرارات، والضغط الفعلي على اسرائيل لتنفيذ قرارات المجتمع الدولي والمبادرات التي تتبناها هذه الجهات، ومنها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول التابعة لهذه القوى والسائرة في ركابها.
هذا إذا أراد المجتمع الدولي أن يتعش ما تسمى بالتسوية السلمية، وينقذها من حالة الموت السريري الذي تعانيه فعليا منذ إعلان اوسلو وحتى يومنا هذا.