القاهرة وداعاً... وإلى اللقاء
حسناً تفعل القيادة المصرية بنقلها العاصمة من القاهرة إلى مكان آخر. والمدينة الجديدة تنتظر تخطيطاً عمرانياً واسماً جديداً، بعدما أُعلِن الخبر في المؤتمر الاقتصادي في شرم الشيخ، ولم يحظَ بوقت كافٍ لإيضاح سببه وتحديد الخطوات الأولى للتنفيذ.
تُرك الأمر لتسريبات شبه رسمية، تفيد بأن العاصمة الجديدة ستشغل 500 كيلومتر مربع في مكان ما على الطريق الصحراوي بين القاهرة والسويس المتّجه أيضاً إلى البحر الأحمر. مدينة بلا نيل ولا بحر، لذلك يُتوقّع شق قناة إليها من البحر الأحمر. ذلك أجدى وأكثر ديمومة، لأن مياه النيل، بعد السد الإثيوبي، لن تكون وفيرة لترطيب مناخ العاصمة الجديدة. أما مياه الشرب فمن النيل تؤخذ، لأن مصر لم تصل إلى حدّ تحلية المياه كما في دول مجلس التعاون الخليجي.
وإذا كنا لا نصدِّق أن العاصمة الجديدة تبعد عن القاهرة 45 كيلومتراً فقط لأنها بذلك ضاحية لا عاصمة، فإن قرب الموقع من قناة السويس يجعلها مركزاً إدارياً وسياسياً واقعاً بين شرياني الدولة الحيويَّين، النيل وقناة السويس، كما يقرّبها، إلى حد ما، من شبه جزيرة سيناء المهدّدة باحتلال مقنّع إرهابي، ربما يكون أسوأ من احتلال إسرائيل الذي امتد 12 عاماً.
نقل العاصمة المصرية من القاهرة ينسجم مع تقليد أرسته دول نقلت عواصمها من المدن الكبيرة المكتظة إلى مدن صغيرة يكون العمل الإداري والسياسي فيها أسهل منالاً، فضلاً عن أسباب أخرى تخص كل دولة بعينها، فنيجيريا نقلت عاصمتها من لاغوس (على الأطلسي) عام 1991 إلى أبوجا التي بُنيت وسط البلاد في منطقة محايدة نسبياً بين الأطراف الدينية والعرقية، وتركيا الأتاتوركية نقلت عاصمتها إلى أنقرة في الأناضول بعيداً من الثقل العثماني لاسطنبول ولقرب الأخيرة من أوروبا المرشّحة، ربما، للانتقام من الأتراك. وباكستان أكملت بناء عاصمتها إسلام آباد طاوية صفحة كراتشي في بلاد السند، حيث الصراع الإتني بين السكان الأصليين والمسلمين المهاجرين من الهند، وكانت روالبندي عاصمة موقتة لباكستان بين عامي 1958 و1967.
وأنشأت البرازيل عاصمتها برازيليا عام 1960 لتحيي المساحات المهملة في الداخل، متخلية عن ريو دي جانيرو الواقعة على الأطلسي، والتي تشكّل مع ساو باولو المدينتين المركزيتين اقتصادياً وسياحياً والأكثر اكتظاظاً بالسكان. أما كازاخستان فبنى رئيسها نور سلطان نزارباييف مدينة آستانة، عاصمة جديدة منذ عام 1998، بدل ألما آتا الحدودية، لأسباب أمنية تتعلق بالاستقلال الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفياتي.
معظم العواصم الجديدة خططها وصممها معماريون عالميون، وهذا ما تستحقه العاصمة الجديدة لمصر المهيأة لتصميمات تليق بعمارة وادي النيل العريقة في عهود الفراعنة والأقباط والمسلمين، الفاطميين والأيوبيين والمماليك، كما في العصرين الأوروبي والأميركي.
يبقى أن تنتقل عاصمة مصر الجديدة من الورق إلى الواقع، من باب رمزيّة تحريك الجمود المصري المديد، لتبقى للقاهرة عراقتها، حيث للأمكنة أرواح في المدينة - المتحف الحاملة ذكريات نهضة مصر والمنطقة. ولنقل أن القاهرة عاصمة للثقافة العربية الكلاسيكية والحديثة ومقصد دائم لـ «مواطني» هذه الثقافة الآتين من أنحاء العالم العربي.
*نقلاً عن "الحياة"