رحيل الأبنودي: مصير شعر العامّية والشعر النبطي
مع وفاة شاعر، أيّ شاعر كان، يكتب بالعامّية، تكون نظرية الأدب أمام تحدٍّ خطير. فدور شعراء العامية، مختلف عن دور ووظيفة شعراء الفصحى. الشعر العامّي أقرب الى اللاشعور الجمعي، وهو جزء من الثقافة الاجتماعية ومجموعة الأعراف البعيدة والقريبة، كما أنه يجسد اللحمة مابين الأفكار وأسلوب حياة الناس.
على عكس الشعر المكتوب بالفصحى، أو الشعر الفصيح. فهو أقرب الى أن يكون مهارات لغوية وإمكانيات تعبيرية مرتبطة بالبيان وقواعد اللغة وبحور الشعر. وبسبب غلبة المهارة والصناعة، يعجز الشعر الفصيح أن يحل مكان الشعر العامي. فالفصيح متعالٍ، ينتج عبر علاقة اللغة بنفسها، أو من خلال إفراط استخدام الصورة الشعرية، سواء الحسي منها، أو العقلي.
مع رحيل عبد الرحمن الأبنودي، تخسر الذاكرة الشعرية العربية، تلك القامة من الشعر العامي المكتوب على إيقاع لاشعور جمعي ممتد من حياة أهل صعيد مصر، صاحب وجامع "السيرة الهلالية"، هو في الأصل، جزء من ثقافة جمعية مخزَّنة على ألسنة الناس العاديين، سواء في النطق أو المفردات أو المبالغات التعبيرية.
رحيل الأبنودي، تحدٍّ جديد أمام كتابة سيرة الأدب العربي. ورحيله إعادة للسؤال الأزلي الذي لم يجد جوابا الى الآن: لماذا تم الاستعلاء على الشعر العامي، وتسليط الضوء على شعراء الفصحى، باعتبارهم "حراس الهيكل" المؤتمنين على حماية نظرية الأدب؟! ولماذا ابتعد النقاد عن عالم الشعر العامي في الوقت الذي برع فيه الأخير بأن يكون جزءا من ثقافة اجتماعية هي مزيج مابين العقلي والأسطوري؟
ولأن الشعر العامي لم ينجح في إغراء الاكاديميين ليحل جزءا أصيلا في الدرس والنقد والتعليم، أصبح بعيدا عن متناول الناس، وتم التعامل معه بصفته جزءا من قصص الجدّات أو حكايات الآباء العائدين من الحروب والمنافي. لقد خسرت نظرية الشعر العربي ذلك المخزونَ الهائل الذي تنطوي عليه تجربة الشعر العامي، وهو نفسه "الشعر النبطي" المعروف في الخليج العربي، وهو ذاته شعر "الزجل" المعروف في لبنان وسوريا، خاصة. وانصب اهتمام الدارسين على الشعر الفصيح، عبر احترام نقدي واضح، يقابله تجاهل وتقليل من شأن العامي. لكن ماالذي يمكن أن يكون سببا في تلك الظاهرة؟ مع العلم أن كثيرا من الأسماء الأدبية الرفيعة، كشكسبير، فقد جمع كثيرا من المنقولات الشفوية التي تدرج على ألسنة العامة، وقبله رواة الشعر العربي الذين كانوا يتعاملون باحترام مسبق مع المرويات الشفوية، الى الدرجة التي أخبرنا فيها عبدالله بن سلام، عن أن شعراء العرب كانوا يقولون الشعر في حادثة بيتاً أو بيتين، لا أكثر، ثم جاء رواة متزيدون فأضافوا وأكثروا فأصبح البيتان مطوَّلاتٍ.
مؤامرة اللهجات على الوحدة العربية..
كان لصعود الفكر القومي، في العالم العربي، السبب الأكثر تأثيرا، في منح فصيح اللغة احتراما اكاديميا ورسميا وتعليميا، حيث تم اعتبار العربية الفصحى الجامع الموحّد مابين مختلف "اللهجات" التي تتوزع ناطقي العربية من المحيط الى الخليج. وقد كانت "اللهجات" هي الحاضن العملي للشعر العامي سواء منه الزجل أو النبطي أو غيرهما من أساليب التعبير الفطرية.
كانت "اللهجات" هي عدو القوميين، باعتبارها توحي بالخصوصية وتؤكد على الانفصال لا على الاتصال مابين بلدان العالم العربي. فكان من الطبيعي أن يكون الضحية هو الشعر العامي، وعدم الاحترام الاكاديمي له، كان استجابة من المؤسسة التعليمية لايديولوجيا السلطات الجديدة السعيدة بالاستقلال والانفكاك عن العثماني، أولا، ثم عن الفرنسي والانكليزي، ثانيا.
لكن، كم كان حجم الخسارة الثقافية كبيرا بسبب إهمال النقد للمخزون المعرفي في الشعر العامي؟ هذا من جهة، من جهة ثانية، فإن الشعر الفصيح، والذي حظي بتسليط ضوء النقد عليه كثيرا، كان، في أصله المعاصر، جزءا من ثورات معرفية غربية، فتأثر بالرومنسية وتأثر بالسوريالية وتأثر بالحداثة. أي أن جزءا أصيلا فيه كان من خارجه. وهذا سرّ من أسرار ضعف تأثيره وقلقه المتواصل. على عكس العامّي، أو النبطي، أو الزجلي، فهو من قلب التجربة الاجتماعية الخاصة، حاملا معه كل المنقولات المروية الشفوية التي شكلت تاريخا منطوقا ينطوي على مخزون معرفي وأسطوري هائل خسرته التجربة الشعرية العربية المعاصرة.
يشكل غياب الأبنودي لحظة لطرح هذا السؤال على النقد "الرسمي" العربي، الذي هو في جوهره، لايزال أسير ايديولوجيا القوميين العرب التي اعتبرت اللهجة "سايكس – بيكو" وعلى ذلك فإن الشعر العامي أو الزجلي أو النبطي، فهو شكل من أشكال التهديد لـ"الوحدة العربية" الفصحى! إلا أن بلدانا كلبنان ومصر، بخاصة، قاومت هذا الأمر الرسمي النقدي، فكان الشعر المتكوب بالعامّية متسيدا للمنابر، فلم يتوقف عن إنجازه وصناعته، مثلا، الشاعر الفصيح الكبير سعيد عقل. أما في مصر فقد أبدع في هذا المجال، عبد الرحمن الأبنودي، وأحمد فؤاد نجم وفؤاد حداد وصلاح جاهين وسيد حجاب. وفي دول الخليج العربي، لايزال للشعر النبطي احترامه، صناعةً واستقبالا، على كل المستويات، ولعل الشاعر السعودي زايد الرويس من التجارب اللافتة في هذا المضمار، الآن، والذي أبدع في إحدى قصائده معاني جديدة وناقض فيها أسلافه في تعبير فريد كقوله:
هذا التعب مكتوب والضيق مقري
والسالفة طالت وأنا ماني بخير
اللي مصبّرني على الضيق فقري
أحيانا أحس الفقر له نكهةٍ غير!
ولعلنا نختم في هذه الصورة المبدعة الخلاقة للشاعر الرويس، والذي قال مرة في صورة شعرية مبتكرة تجمع بين نقيضين لايجتمعان في العادة مابين العيد والحزن: "حزني معيّد في دهاليز روحي"، هدية لروح الشاعر الكبير الأبنودي، بأن رحيله رسالة الى كل "النقاد الرسميين" الذين لازالوا جزءا من عصر الاستقلال، في أن الشعر العامّي مخزون معرفي هائل، بخسارته لم يكن الفقدان أدبيا فقط، بل كان فلسفيا واجتماعيا وتاريخيا، في المقام الأول. كما أن خسارة الشعر العامّي هي خسارة لأصالة التعبير الأدبي وفطرته، في مقابل مئات الكتب الشعرية "الفصيحة" التي لم يكن همّها أكثر من التلاعب بالألفاظ وتطبيق المهارات اللغوية الجافة التي وإن خلت من أي صورة جديدة، فهي تخلو- وهو الأخطر- من أي صدق فني أو معاناة داخلية عميقة.
نقلا عن العربية. نت