الفيتوري أيضا.. رحل قبل عودة السندباد!
كنتُ من بين الذين لم ينتبهوا لرحيل الشاعر الكبير محمد الفيتوري عن هذه الدنيا يوم 24 نيسان (أبريل) الماضي. ونحن نذكر الفيتوري كلما جاء حديث الانتقالة المشهدية في الشعر العربي في القرن الماضي، والتي شارك في إحداثها مع السياب ونازك الملائكة والبياتي. وربما يذكره أبناء جيلي برائعته التي درسناها في منهاج العربية، "رحل النهار"، التي جعلها انسيابيتها الساحرة سهلة الاستقرار في الذاكرة، والتي أحب أن أقتبس منها -لمن لم يقرأ الفيتوري- علها تغويه بزيارة هذا الشاعر الخاص:
رحلَ النهار
ها إنهُ انطفأت ذبالتُه على أفقٍ توهّج دون نار
وجلستِ تنتظرينَ عودةَ سندبادَ من السّفار
والبحر يصرخ من ورائِك بالعواصف والرعود
هو لن يعود
أوَ ما علمتِ بأنه أسرتهُ أمواج البحار
في قلعة سوداءَ في جزر من الدم والمحار
هو لن يعود
رحل النهار
فلترحلي هو لن يعود
ورسائلُ الحب الكُثار
مبتلةٌ بالماء منطمسٌ بها ألَق الوعود
وجلستِ تنتظرينَ هائمةَ الخواطر في دُوار
سيعودُ لا غرق السفين من المحيط إلى القرار
سيعود لا حجزته صارخة العواصف في إسار
يا سندبادُ، أما تعود؟
عاش محمد مفتاح رجب الفيتورى، المولود في مدينة الجنينة السودانية في 24 تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 1936، ما يعيشه المبدعون العرب من التيه بسبب فوضى المشهد العربي المتواصلة. وتقول سيرته الذاتية إن "الحكومة السودانية أسقطت عنه الجنسية في العام 1974 إبان عهد الرئيس جعفر نميري، وسحبت منه جواز السفر السوداني لمعارضته للنظام آنذاك، وتبنّته الجماهيرية الليبية وأصدرت له جواز سفر ليبيا وارتبط بعلاقة قوية بمعمر القذافي. وبسقوط نظام القذافي، سحبت منه السلطات الليبية الجديدة جواز السفر الليبي، فأقام بالمغرب مع زوجته المغربية... وفي العام 2014، عادت الحكومة السودانية ومنحته جواز سفر دبلوماسيا".
لا بد من ملاحظة المفارقة في ارتباط الفيتوري بدكتاتور بسبب معارضته دكتاتوراً آخر. وكما يبدو، لم يفلت هو الآخر من فخاخ الانحيازات والتقديرات التي تحيط بالمبدعين العرب، حيث توصَف كثير من الأنظمة العربية بالثورية، في حين أن الثورية والسلطة لا يلتقيان. لكن عاطفة الفيتوري الإنسانية والوطنية التي امتلأ بها شعره، أهلته عن استحقاق لألقاب "شاعر أفريقيا" و"شاعر العروبة".
يقول الفيتوري في الهم الوطني: "لقد صبغوا وجهَكَ العربيَّ/ آه... يا وطني/ لكأنك، والموتُ والضحكات الدميمةُ حولَك، لم تتّشِح بالحضارة يوماً/ ولم تلد الشمسَ والأنبياء". ويقول عن المستبدين: "كل الطغاة دُمىً/ ربما حسِبَ الصنم، الدميةُ المستبدة/ وهو يعلق أوسمةَ الموت فوقَ صدور الرجال/ أنَّه بطلاً ما يزال". ويقول عن الحرية: "أصبحَ الصبحُ، ولا السجن ولا السجان باقي/ وإذا الفجر جناحان يرفان عليكِ/ وإذا الحزنُ الذي كحل تلك المآقي/ والذي شد وثاقاً لوثاقِ/ والذي بعثرنا في كل وادي/ فرحةً نابعةً من كل قلب يا بلادي".
انضمّ الفيتوري في وقت مبكر إلى رواد مدرسة الشعر العربي الجديدة التي خفّفت الشعر من البحور والشروط التقليدية. ومثل أقرانه من شعراء الحداثة، اشتغل على توظيف الأسطورة والموضوعات التأملية والتعبير عن الفردانية التي أبرزتها تعقيدات هذا العصر وأزماته. لكنه تميز بكونه الصوت القادم من الجنوب ليلتقي بأصوات شعراء الشمال العرب على صنع حالة جمالية ألهمت الاجيال العربية في حقبة النهضة والانفتاح على الآخر. وتحدث الفيتوري بشكل خاص بصوت أفريقيا، ليكون أيضاً جزءاً من حركة إنطاق أفريقيا التي أسكتها الاستعمار، فيما أسماه بيل أشكروفت "الإمبراطورية ترد كتابة".
رحيل الفيتوري بلا أضواء، يذكرني شخصياً بمشهد مؤثر لشاعر كبير آخر، عبد الوهاب البياتي. وكنت قد صادفتُ البياتي في أواخر حياته في أحد مقاهي عمان. وفي تلك الأمسية، لم يكن الموجودون في المكان يعرفون الرجل الذي بدا وحيداً جداً وغريباً جداً ويبحث عن أحد ليتحدث إليه. وقد أصبحت دنيانا التي ملأها المتنبي وانشغل به ناسها في فترة إشراق، منشغلة تماماً عن كل جمال وإبداع، في مظهر لاحتضار حضاري يعرض نفسه بالموت اليومي الذي نراه الآن.
رحل الفيتوري أيضاً والمشهد العربي لا يشف عن شيء. وترك الأحياء على قلق انتظار عودة السندباد الذي رحل، ولما يعد بعد!
نقلا عن "الغد الأردني"