الصداقة مؤشرا على التمدن
وقولا هو المرء الذي ليس جاره
مضاعا ولا خان الصديق ولا غدر
(لبيد بن ربيعة)
الصداقة من ضرورات الحياة، وبخاصة في المدينة. وأظن أن الصداقة في المدينة (لا أتحدث عن الزملاء في العمل والمهنة، ولا عن الأقارب والجيران) تحتاج إلى شروط؛ وهي إن كانت ليست صعبة، إلا أنها تتطلب تدريبا واستحضارا وتنشئة أيضا في الأسر والمدارس، باعتبارها قيمة ومهارة حياتية ضرورية.
يجري خلط بين الصداقة والزمالة؛ وهذا يؤكد ضرورة تعليم الصداقة وتمييزها. وتُحمّل الصداقة بقيم ومصالح ليست جزءا منها؛ فالمصالح المتبادلة بين الناس وإن كانت ضرورية أو مفيدة، لا علاقة لها بالصداقة، سواء وجودها أو نفيها. وتُربط أيضا باحتياجات يومية أو عابرة، مثل الرفقة، ويحسبها البعض صداقة؛ فهي أيضا وإن كانت جيدة إلا أنها ليست جزءا من الصداقة.
والحال أن الناس، وبخاصة في المدن، بحاجة إلى منظومة علاقات يجب تمييزها عن الصداقة؛ الزمالة في العمل والمهن، والمصالح والجماعات والنقابات والأحزاب، والقرابة، والجيرة، والعلاقات اليومية المنتظمة أو العابرة في السوق والمصالح والهوايات، مثل العلاقة بين الزبون والبائع، أو رفقة السفر أو الحياة اليومية. وهي بالطبع علاقات ضرورية أو مفيدة، ولكنها ليست "صداقة".
الصداقة مستمدة من تطلعات الإنسان للارتقاء بنفسه روحيا، أو البحث عن المعنى والجدوى في الحياة، أو تلبية الاحتياجات الجمالية في الحياة والتمدن. ولذلك، فإن الأصدقاء تجمع بينهم اتجاهات وأفكار وأعمال مرتبطة بسعيهم المشترك للارتقاء بأنفسهم، بلا مقابل أو مصلحة أو التزام قانوني أو ديني؛ ولكنها علاقات وبرامج تدفع إليها أعمال تطوعية أو خدمة الأفراد والمجتمعات، أو برامج وأفكار ومشاركات ثقافية وفنية وجمالية، سواء كانت عفوية ويومية، مثل تبادل المعرفة في الشأن العام والثقافي والحياتي، أو المشاركة المنظمة في الثقافة والفنون والموسيقى والكتابة والإبداع، أو رفاق مجالس المدن التي تعقد في البيوت أو المقاهي للتلاقي والحوار وتبادل المعرفة والأحاديث المفيدة، أو التسلية. وربما يمكن إضافة الرياضة كمصدر روحي للمشاركة والصداقة؛ لكنني متردد بسبب ما أصاب الرياضة من تحولات خارجة عن فكرتها المنشئة، وإن كان يلاحظ أن أندية اللياقة البدنية الـ"جيم" تنشئ صداقة جميلة بين الأعضاء.
والصداقة وإن كانت تدور أو تنشأ حول قيم غير مادية، فإنها ليست بالضرورة مثالية. ستكون الصداقة أجمل وأوثق بالطبع، كلما اقتربت من الكمال، لكن ذلك ليس شرطا إلا بالقدر الذي يخلّ بجوهرها. الشرط الأساسي للصداقة هو أنها تدور حول قيم واحتياجات جميلة ومعنوية غير مادية، وهي قيم وإن كانت ضرورية للمدن والتمدن، إلا أنها ليست مرتبطة بالضرورة بالاحتياجات الأساسية واليومية والمعيشية أو المصالح والأعمال المشتركة.
أهل المدن بخاصة ينشئون بالصداقة علاقات ترقى بحياتهم، وتمنح المدن الدفء والجمال، وتخفف من قسوة الحياة والعمل، وتعوض غياب علاقات القرابة أو ضعفها. وفي ذلك يكرسون أخلاقا وقيما تعزز رسالة المدينة والإصلاح، مثل الوفاء والكرم العملي والعطاء والتطوع والتسامح والصدق والاستماع والتفاعل والحوار والمشاركة والثقة والفردية.. والإمتاع والمؤانسة.
نقلا عن "الغد الأردني"