وعاء الرسول ووعاء الآلهة: نظرات في فكر الاسلامويين ح6 (قطب ومشهور)
نكمل السلسلة في هذه الحلقة السادسة من دراسة "وعاء الرسول ووعاء الآلهة:نظرات في فكر الاسلامويين" بعد أن تكلمنا سابقا، عن العقل القطعي اليقيني ومواصفاته الثلاثة، والاختلاف بين الخلاف الموقفي واليقيني، الى أن تحدثنا في الحلقة الثالثة عن إيماني أنا وما لهم هم، وبداية التعرض لنظرية الوهم المقدس، وأوضحنا كيف يصبح الاول المقدس هو الخامس وفق المعادلة النفسية
1. (الإسلام = مقدس).
2. (فهم الإسلام) وهو فهم محدد
3. وبالتالي (حزب فهم الإسلام)
4. ثم (أصحاب حزب فهم الإسلام)
5. ثم (أفعال أصحاب حزب فهم الإسلام).
وذلك رغم أن الفهم للإسلام غير قابل للاحتواء، في [فهم] أو تفسير أو مسار واحد، واليوم نكمل اليوم بعرض نموذج في الاخوان المسلمين، وبعد أن تكلمنا عن نموذج البنا والسندي في الاخوان المسلمين نتكلم عن سيد قطب والحاج مصطفى مشهور رحمهم الله جميعا
سيد قطب من انبهار إلى تطرف
سنعود أيضا لسيد قطب -رحمه الله ورحم كل أمواتنا- الذي انبهر بالحضارة الغربية في أمريكا وساءه الفساد الخلقي وتحرر المرأة والتمييز العنصري ضد السود حينها في أواخر الأربعينات والخمسنيات عندما ذهب هناك، ومقدار الحريات الشخصية والجرأة فيها فأسقط في ذهنه أن الحل برفض هذا المجتمع وقيمه وبالتالي رفض المجتمع المماثل له المشابه كما يظن أي المجتمع العربي والمصري والإسلامي إذ اعتبره بكل سذاجة يعيش الجهالة منذ قرون؟! تصور منذ قرون؟
لننظر أيضا ونتعجب (ارتدت البشرية إلى عبادة العباد وإلى جور الأديان ونكصت عن لا إله إلا الله وإن ظل فريق منها يردد على المآذن: لا إله إلا الله) في ظلال القرآن ص2009ط. دار الشروق الشرعية
ومازال في الجعبة الكثير لنقرأ حيث يقول قطب: (إنه ليست على وجه الأرض اليوم دولة مسلمة ولا مجتمع مسلم قاعدة التعامل فيه هي شريعة الله والفقه الإسلامي) الظلال ص 1222ط. دار الشروق،
ويرسم سيد منهجاً تجهيليا وإن رآه الأخرون تكفيرياً لما يسميه حركات البعث الإسلامي بوصيته لها (أن تتبين أن وجود الإسلام قد توقف (منذ فترة طويلة)، فتسير، بذلك على صراط الله وهداه) وتحذيرها من: (أن تظن لحظة واحدة أن الإسلام قائم وأن الذين يدعون الإسلام ويتسمون بأسماء المسلمين هم فعلاً مسلمون، فتسير وراء سراب كاذب تلوح لها فيه عمائم تحرّف الكلم عن مواضعه وترفع راية الإسلام على مساجد الضرار) العدالة ص185 و216ط. دار الشروق.
أليس في هذا كل الوضوح للمنهج في التفكير حيث التنزيه والتقديس للمعسكر الايماني ضد الشيطاني الممثل بمن هم غير "الاخوان"؟ وبمنطق تفسير وفهم ضيق...بل ضيق جدا
لقد تأثر سيد حينها بما وصل يديه من فكر أبوالأعلى المودودي الذي كان يجهّل ما غير المسلمين من الهنود فأسقطه قطب على المجتمع المسلم ذاته، ما هو من انعكاس شخصيته المغلقة على المفاهيم ما حدا به لاحقا لكتابة "المعالم" بمنطق الولاء والبراء والاستعلاء على الآخر المخالف ومنطق تجهيل كل من لا يحمل فكره وضرورة الانقلاب عليه بالقوة ما مهد بقوة للتكفير، مما تعرفه في المعالم.
لا يمكن فهم فكر البنا بالمنطق الذي يفترض التعامل مع خطاب حسن البنا بشكل منفصل عن تاريخيته، بمعنى إن كان يريد-ربما- بإيراد المطلق إحداث التغييرأو التاثير بالقرار، فهو استخدم كافة وسائله من دعوة واستجلاب المقدس والتهديد بالعنف في مرحلة تاريخية عصيبة كانت المواجهة بالنسبة له مع 3 أعداء واضحين الأول هو الاستعمار والثاني أذناب الاستعمار في المملكة المصرية اما الثالث فهو فكر الأمة الذي رأي أنه ينزلق خاصة بعد انكشاف الغطاء برأيه بسقوط "الخلافة" التي سعى لاستعادتها بأي سبيل أو شكل مختلف، ورغم تهديدات البنا مما ذكرنا وخطأ استخداماته، بل إقحامه القضايا الحزبية في نطاق السياسي ما أضفى عليها المطلقية والقداسة الا أنه برأيي عقلية عمليانية (براغماتية) واقعية تمثلت بالنقلات التي طالت عمله السياسي، ولكن كانت المصيبة الأكبر فيمن اخذوا أقواله على محمل القداسة لا تغيير ولا تبديل، وأسقطوها في مرحلة تاريخية مختلفة كليا أي بعد نشوء الدولة الوطنية.
مصطفى مشهور يكمل الثلاثي
كان ثالثة الأثافي ي مسار الثلاثي بذور فكر البنا-السندي ثم قطب هو مصطفى مشهور المرشد الخامس لهمن واليكم غيض من فيض مما يقوله أيضا وسار على دربهم فلسطينيا على ما يبدو د.محمود الزهار ومن والاهم من التيار المتشدد، باستثناء أولئك الذين رفضوا هذه المدرسة القطعية أمثال الخرباوي والمليجي وأبوالعلا ماضي والشيخ الغزالي والشعراوي وأبوالفتوح ومحمد حبيب والباقوري...الخ
يقول مشهور في كتابه عن الجهاد-موجود على الشابكة في موقع موسوعة الاخوان المسلمين- حيث يخلط متعمدا بين الجهاد بمعنى قتال اليهود وقتال المشركين أيام الرسول (لزوم إسقاطات القداسة على الدعوة) وبالتالي أو بالتعدي على القتال في المجتمعات،... تأمل معي
"والإخوان عندما يقدمون شبابهم للجهاد في الوقت المناسب، لا يلقون بهم إلى التهلكة" هنا هو يبرر إرساله لهم إلى أفغانستان على عكس قرار المرشد حينها، ويضيف
"وحينما تهيأت الظروف نزل الإذن بالقتال في قوله تعالى:(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)(الحج:39).
...وعلى هذا الضوء لن يستمر موقف الإخوان من الاعتداءات المتكررة عليهم سلبيًا، ولكن لا بد من يوم يعذرون فيه إلى الله ويردون العدوان ويدافعون عن أنفسهم.
ليس الجهاد لدفع الأذى فقط...ولكن لإقامة الدولة المسلمة أيضًا" ]أنظر تجهيل المجتمع وانظر المقارنة الباطلة بين الإخوان=المسلمين، والأخر=عامة الناس في البلد=الكفار[
وتحت عنوان الاستشهاد على طريق الدعوة في نفس الكتيب يقول:
"وليعلم شبابنا المسلم أن المعركة بين الحق والباطل معركة شرسة وممتدة زمانًا ومكانًا لتشمل الساحة الإسلامية، وليعلموا أن الجهاد هو السبيل وأن التضحية بالنفس والمال أمر حتمي، وأن فرصة الجهاد والاستشهاد ستزداد خلال عشرات السنين القليلة القابلة كمقدمات لمرحلة الجهاد والتمكين بإذن الله كما حدث في عهد الدولة الإسلامية الأولى بعد مرحلة الإيذاء والتعذيب.
كما ترى عقلية التنزيه للذات وفكرة "الدولة الإسلامية" (وهي السلطة والنفوذ والحكم) الجامحة من المجتمع غير الإسلامي، تحتاج القوة في كل مكان وإن كان من فترة كمون فهي للاستعداد فقط، لأن الوثبة على الحكم هي عروة وعقيدة(؟!) (كما حصل مثلا في انقلاب غزة عام 2007، وفي انقلاب مصر بتسنّم أكتاف ثوار مصر عام 2011، وكما حصل في انقلاب السودان...) وهي أصل ومن لا يفعلها مجرم فكيف الحال وحماس سيطرت على غزة وذاقت حلاوة السلطة والكرسي الوثير والأموال والهيلمان والتحكم في رقاب الناس!
من الممكن أن نضيف فكرة هنا أيضا في الخطاب ليس فقط الاسلاموي وإنما العالمي السلطوي استنادا لما قاله الشهرستاني وعلق عليه د.خالد الحروب ، إذ قال: ("ما استل سيف في الإسلام مثل ما استل على الإمامة"، هكذا قال الشهرستاني، كما يقتبس وجيه كوثراني في كتابه «الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في تجربتين تاريخيتين، العثمانية والصفوية». ويمكن ببساطة افتكاك مقولة الشهرستاني من سياقها الخاص بإعادة صوغها كالتالي: «ما استل سيف في تاريخ البشر مثل ما استل على الحكم». أُس مسألة السياسة واجتماع البشر، إذن، وجذرها المُتحفز للتفجر يكمن في السلطة والسلطان. ليس هذا حصراً في فضاءات العرب والمسلمين بل هو ديدن البشرية على اختلاف شعوبها وأديانها وثقافاتها. ظلت السلطة هي المغرية الدامية والمُدمية)[1] ويضيف معلقا لما سبق أيضا بالقول وبما يماثل مفاهيم الكواكبي (السلطان، وحتى يومنا هذا، لم يجد وسيلة أكثر نفاذاً وفعالية من الدين لتوظيفه في الاستحواذ على السلطة. في كل ديانات وسياسات العالم، انهمك السلطان في السيطرة على المعتقد ليقول لعامة الناس إنه حامي ذلك المُعتقد، وإنه الممثل الشرعي له، واشتغل على تحويل وتحوير وتأويل المقولات الدينية لتعزز من شرعيته-د.خالد الحروب)
إن تصريحات د.محمود الزهار ذات الطابع الحاد والتحريضي، والكثير من قادة "حماس" والاخوان نابعة من اعتقادهم الجازم أنهم في مرحلة تراجع ومرحلة انهيار في ظل تفتت الإقليم، لذا وجب فتح الرشاشات ضد الجميع لإحداث المفاصلة بين الفسطاطين فلم يبق له إلا الاتهامات بالتخوين والتكفير والشتم المقذع كما بدا يقوم به بقوة النواطق في "حماس" في محاولة لايقاف التدهور الحاصل في "الدولة"-الهدف الأسمى، التي أقاموها، وفي الانفضاض الشعبي.
إن العجز عن تطبيق نموذج "الدولة الاسلامية" كما يفهمونها، بعد أن حصل "التمكين" لا يستطيع أصحاب الفكر القطعي المقدس المكتفي بذاته أن يفهموها وينتقدوا أنفسهم ويصوبوا مسارهم، وكيف يكون ذلك؟ فهم على مدى تاريخ الجماعة لم يعترفوا بنقيصة-ألا ما ندر- ولم يعترفوا بخطأ كبير أو هزيمة لأن الإسلام=الإخوان في نظرية وهمهم المقدس، لذا هم فقط ينتصرون دوما، فلا يبقى من أسلحة يلطمون بها الأحداث والآخرين إلا أسلحة المؤامرة على الاسلام=عليهم، وأسلحة التآمر مع العدو ضدهم، وتفعيل منطق التبرير لأنفسهم ضمن مقولات: المحنة والابتلاء والمظلومية في كل فترة يتم القضاء عليهم أو فشل تجربتهم.
إن عقلية المراجعة والنقد –فلا ابداع بلا نقد-والحوار والاعتراف بالآخر والتعددية دون استغلال الدين واسقاطه على الناس وهما مترابطا منسوجا على مقاسهم فقط، وعدم تنزيه فهم وفكر الذات هي الباب الذي يجب أن يفتح في عقول أمثال هؤلاء ليدخلوا فضاء الرحابة ويخرجوا من الغرفة الضيقة التي حشروا فيهما أنفسهم ما نتمنى فيها لهم الهداية كما لنا.