نظرات في فكر الاسلامويين (ح10 الاخيرة)

2015-07-11 08:18:00

بعد أن تحدثنا في الحلقات  السابقة عن الفكرة الأصل وكيف تتحول الى فكرانية أيديولوجية وكيف يتم تقديسها كفكرة ثم كأشخاص وكحزب وذكرنا مجموعة من الأمثلة في قطب والسندي ومشهور، وكيف يتم التعامل مع الأوعية الحاضنة للفكرة المقدسة والأشخاص والحزب استنادا لنظرية وعاء الآلهة تحدثنا بالتاسعة من الحلقات عن تسويق الخطاب الاسلاموي عامة ونكمل اليوم لنختم ورقتنا هذه بتوفيق الله

وفي (الآليات) 3 خطوات الخطوة الأولى: هي "الهز والتحفيز والاستبدال" والتي يتبعها عند نجاحها خطوة "التطويع"، ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة "الاستخدام والتوظيف" وفي الخطوة الأولى بإمكاننا الإشارة لسبع نقاط.

1.   آلية هز القناعات : فأنت في مجتمع مقرف مليء بالخطايا والإباحية والابتعاد عن دين الله، فهو مجتمع جاهلي (كافرأو مرتد أو..) والدليل .... من القرآن والسنة -كما يفهمونها ويطوعونها- ومن كتب التراث .
2.   آلية الإشعار بالذنب: فأنت مقصّر، ولا تفعل شيئاً لدينك أو ربك أو مذهبك، فيرى الشخص الواقع تحت سيطرة "وهم قداسة" اللحية والجلباب وافتراض أن في أمثال هؤلاء ينطقون الحق دوما فلا يأتيهم الباطل لا من بيد أيديهم ولا من خلفهم، يشعرانه ذليل أو خجِل إن لم ينصاع لهم .
3.   آلية تحفيز الواجب إذ ينتبه الشخص بعد كل ذلك، وعبر "تكرار"هذه الآلية أن بإمكانه أن يفعل شيئا ولو على الأقل بالانتماء لهذا التنظيم، أو دعمه ولو على توتيرأو الفيسبوك، أو قد يصل لدرجة الموت في سبيله .
4.   خطاب مشاعر الحميّة والنجدة والنُصرة للدين و (لأهل السنة مثلاً في العراق من قبل داعش ) وأنه يدافع عن الشريعة وتطبيقها، ما يترابط مع تحفيز الواجب.
5.   تأتي عملية استثارة (المأمول ) أو المحلوم به أو ما هو في الحقيقة فيه الكثير من الكذب أو "الوهم" كخطوة لاحقة لما سبق، فأنت بقيامك بالواجب أكان بحده الأدنى أو الأقصى ستجد أمامك جنة الخلافة الأرضية (عبر الواقع الافتراضي في الشابكة (=الانترنت)، أو في داخل الحزب المغلق على المؤمنين، أو بالهجرة عن المجتمع، أو مؤخراً في دولة الخلافة بالموصل) كما تنظرك الحوريات ال 72 في الجنة إن قتلت في سبيل الخليفة أو الدعوة .
6.   تقنية إبدالية الرموز: وهي تقنية مستخدمة من قبل التنظيمات الاسلاموية لغرض إحداث أثر كبير ووقع أكبر من خلالها، فالشعار والعيش فيه قد يحل محل الحقيقة ، كما أن إظهار الرموز والصور والتفخيمات والشارات وأحياناً بعض الانجازات كأنها دلائل وبشائر النصر النهائي يعد تقنية ناجحة (انظر نظرية وعاء الآلهة) .
7.   في الخطوة الأولى ب"الهز وتحفيز الآمال" يصبح المجتمع البديل جاهزاً في الصورة المرسومة عبر الإعلام والتسويق لأنه يظهر "الحزب مقابل المجتمع" بشكل كامل.

    أما الخطوة الثانية في الآليات التسويقية للأحزاب هذه فهي التطويع التنظيمي، والتجهيز لتنفيذ الأوامر (يقول عمر التلمساني : كنت بين يدي الإمام حسن البنا كالميت بين يدي المغسل) ويتأتى ذلك عبر الإخضاع الكلي في أدبيات التنظيم عبر التشديد على الطاعة العمياء للأمير والبيعة له وللدعوة (وليس للإسلام-أنظر قسم الإخوان المسلمين كمثال) ثم القيام بتدجين هؤلاء عبر مخيمات أو معسكرات مغلقة لا تبقى في العقل أي مساحة يستطيع من خلالها أن يتنفس خارج مادة التسويق التي أزاحت ثم حلت مكان أي شيء آخر كليا.
     ينتقل التنظيم للخطوة الثالثة: وهي "الاستخدام والتوظيف" الإرادي أو اللاإرادي، إلى الدرجة التي ينتخب فيها الشخص المستهدَف القائمة الطلابية (الإسلامية) حتى لو كان هو في سلوكه كما يعتقد لا يماثلهم فهو ينظف نفسه بمثل هذا الفعل الإبدالي، أو قد يتمادى غيره فينضم "للجنّة" في التنظيم، أو يفجّر نفسه ضد الكفار والمرتدين وأصحاب الأهواء ليستشهد في سبيل الله (ما هو  نمط التطويع الذهني في دولة الحشاشين في التاريخ الإسلامي)

عُقدة العدد واستهداف الشباب

لا يمكن أن نفهم أن يتكاثر عدد المنتمين لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العام 2015 إلى 30 ألفا (التقديرات الاستخبارية الامريكية، والسورية في المرصد السوري من 15- 20 -30 ألف) من المقاتلين، في حين أن كل المقاتلين "المجاهدين الأجانب" الذين دخلوا أفغانستان (1979 – 1989 ) من الخارج، لم يتجاوزا العشرة آلاف رغم الدعم والشرعية العربية والإسلامية، والدعم الدولي الذي صاحب تلك الحرب إلا بالقدرة على استخدام الآليات المذكورة، وفي ظل تفوق واضح من خلال وسائل التواصل الاجتماعي التي عمد من خلالها المؤثرون في الوعي من "الدعاة" الى إحداث الشرخ في فضاءات المستهدفين، وعملا دؤوبا لجسر الهوة بين الماضي (سيصبح المستقبل) المأمول والواقع المعاكس عبر هذا التنظيم أو ذاك ، ومن هنا استطاع تنظيم "الدولة الإسلامية" كنموذج صارخ في يوم واحد من عام 2014 أن يغرد على موقع "تويتر" للتواصل الاجتماعي على الشابكة (=انترنت) مالايقل عن 40 ألف تغريده ، بل وأن يشكل قاعدة استقطابه ممثلة بالشباب من سن 18 – 28 عاما وهم الأكثر التصاقا بوسائل التواصل الاجتماعي، بينما المقارنة مع الاستقطاب لأفغانستان أن أولئك "المجاهدين" الأجانب كانوا من سن 30 عاما فما فوق .

أدوات الاستقطاب
بلا شك كما ذكرنا أن (أدوات) الاستقطاب في التنظيمات الاسلاموية تبدأ بالمسجد ثم المؤسسة أو المجمع الإسلامي (مجمع قد يضم مسجد ومستوصف ومكتبة ومدرسة ما أمكنهم)، أومن خلايا المؤسسات والجمعيات الأهلية، وعبر اختراق الوزارات ومؤسسات الدولة عبر الدعوة للصلاة أو القيم كبداية للجذب، كما يعتمدون على القيادات الإسلامية غير الحزبية المؤمنة أي ليست المنتمية لهم بالضرورة، ولكنها المؤيدة على قاعدة أن كله إسلامي.
تشكل أداة الاتصال الفردي والمباشر بين أعضاء هذه التنظيمات والآخرين عبر اللقاءات والجلسات أداة هامة داخل البلد أو باللقاءات المشتركة في أي مؤتمر أو لقاء منظم.
       يقوم "العائدون" من مناطق سيطرة (الدولة الإسلامية) أيضا بتشكيل جدار حماية ودعاية واستقطاب في بلادهم للدولة (داعش)،(وفيما سبق قام العائدون من أفغانستان بنفس الدور، كما الحال مع الخارجين من مدارس السجون).
يمكننا أن نرى رابعا في عوامل الجذب المادية عاملا هاما كما تفعل "حماس" في قطاع غزة من فلسطين عبر إعطاء الأدوار أو إطلاق الألقاب والمسميات أو عبر توزيع المراكز والأموال والتزويج بسهولة.
في المقابل يتم استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كأداة تسويق واستقطاب كما ذكرنا لا سيّما أن نشر الصورة الجاذبة عن أي تنظيم هو الهدف، وتشويه صورة الخصم (دعاية حماس على فضائياتها تصر على شيطنة الآخر كليا ونقاءها اللامع ، وداعش كمثال تظهر تيسيرات الزواج والحياة العادية في مناطقها مقابل جرائم الأسد والنظام العراقي وتشعل في الأذهان حتمية النصر (بتكرار الصور التي تظهر العظمة والقوة) لاحقا للجهاد لهزيمة الكفار ) .
    إن أهم أهداف الدعاية والترويج أو التسويق للفكرة عامة – ومنها في التنظيمات الاسلاموية تخصصا.
-        إظهار المصداقية للأنصار أولا .
-        جلب ثقة الجمهور واستقطابه ضمن فئات لا سيما بتكرار بث ما يعتقدونه مشاهد الانتصار والفتوحات أو الحياة العادية أو العيش بوئام داخل الحزب.
-        إظهار القوة والقدرة على السيطرة عبر الأشرطة والمقاطع المرئية المختلفة لتدلل على أنها باقية ولا تنكسر(وفي الإخوان المسلمين تأتي آليات إظهار القوة من خلال الصمود في المحنة=السجن، ما هو ابتلاء من الله، وصولا للتمكين الحتمي) .
-        استخدام رموز خاصة، ومقابلها هدم رموز قائمة (داعش حطمت تمثال المتنبي والمعري ...، وترفض العلم الفلسطيني )
-        إظهار (فتوة) وشبابية التنظيم عبر صور الأطفال والمراهقين المدججين بالسلاح، أو القارئين الحافظين للقرآن، أو  إظهار  أن القائد الأول فتي (مثال البغدادي مقابل الظواهري)، أو عبر ناطقين إعلاميين شباب كما تفعل حماس وغيرها .
-        إظهار دور النساء واستغلالهن (أنظر كتيب مهام الأخت في ساحة المعركة لداعش )

خاتمة

بعد أن استعرضنا الكثير من المفاهيم حول الاسلامويين وفكرهم ولم نعني –غالبا في السياق- بالاسلامويين حزبا محدداً أو تياراً بعينه في أحزاب وتيارات اليوم وإنما عنينا (تيارا) فكريا هو ليس  بالضرورة مؤطرا ضمن حزب ما بعينه ، وإن حصل وتم تأطير هذا التيار فإنه لا يُخرج العقل "الاسلاموي" عن صفته الأصيلة سواء انتمى للتيار غير المؤطر أو انتمى للحزب لا يخرجه عن صفته اللازبة التي تعرفه بأنه (يخصّ) و(يُقصي) أو أنه يعتبر نفسه حارس حمى فسطاط الحق دون غيره أي (حصريا) وهذه (الحصرية) قد تكون في الفكرة التي يحملها وهنا يتقاطع مع المفكرن (المؤدلج) غير الاسلاموي أيضاً ، ونتيجة هذه الخصوصية والتميز والحصرية وما يتلوها من ولاء وبراء أن الآخر مُقصى ومستعلى عليه فهو من فسطاط الباطل فسطاط الشر فسطاط الكفر أو الدرجات التي تؤدي اليه من فسوق وفجور ورِدّة.

وان (تميّز) و(خصوصية) و(حصرية) الفكرة لدى الاسلاموي المفكرن (المؤدلج) (الكامل) تعنى أنه لا يرى الحق إلا في ركابه فقط وبناء عليه يرفض ويلفظ ويلعن ويقصي ويطرد المخالف من جنته لأنه لا يمتلك (الميزة) و(الخصوصية) والبراءة .

إن ادعاء امتلاك (الميزة) هو افتراض صحة الفكرة الناشئة عن النص وعدم قابليتها للتعديل والتطوير والتغيير (الإسلام على طريقتنا ، أو الإسلام على فهمنا نحن، ببساطة على مقاسنا فقط) وامتلاك (الميزة) يفترض الصلاحية الأبدية للتفسير أوالتأويل أو الفهم استطرادا من ألف عام حتى اليوم فتنشأ (القداسة) لتسقط على الأشخاص المميزين.

إن (الاسلامية)هي صفة كل مسلم مهما كان حجم اقترابه من الاسلام، أو رأيه السياسي ، أما "الاسلاموي" فهو الذي يمتلك حصرية الحق والصواب المطلق والايمان دون غيره ويمنعها عن الآخر.

من هنا جاءت النظرات هذه في محاولة منا نرجو من الله تعالى إن أصبنا الأجرين أو الأجر لتبيان سلامة الفكرة الأصل والدعوة أي الاسلام ببساطة وتوضيح الخلل ومكمنه في طرائق وأساليب النظر بالتأدلج او ضمن آليات المطلق والتنزيه وفيما أسميناه وعاء الآلهة ، والوهم المقدس حيث الاول هو الخامس وما بينهما من القداسة والشمولية والفكرة اليقينية وحاولنا تبيان فرق الخلاف الموقفي عن اليقيني وبعرض بضعة نماذج وتسويق الخطاب الاسلاموي وما الايمان او الاسلام بفهمنا الا أوسع من الضيق وأرحب من أن تحتويه قدح او إناء.

الفهم للإسلام غير قابل للاحتواء، في [فهم] أو تفسير أو مسار واحد كما أراده القطعيون الواهمون بقداسة او مطلقية فهمهم، وإلا لما كان [اختلاف أمتي رحمة] كما قال عليه السلام والاختلاف هنا في [الأفهام=جمع فهم] وليس العقائد والأصول.

جاء الإسلام الحنيف للعالمين، ولم يأت للمسلمين لوحدهم، فكان أن أصبح سيف  السلطان لدى عديد التيارات اليوم بتّارا أكثر من (القيم والاخلاق) والإنسانية السامية التي تمدّد وانتشر لسببها الإسلام العظيم، حيث تنتشر الدعوة بالقلوب والعقول، وتتمدد الامبراطوريات بالحرب والقدرة العسكرية والاقتصادية، والفرق بين قوة الرسالة والإمبراطورية، هو فرق بين البندقية وزراعة الأشجار المثمرة.