مشكلة تعويم المسؤولية عن المأزق

2015-07-14 07:27:00

نعيش حالة انسداد سياسي في اتجاهين، انسداد إستراتيجية التوصل إلى حل لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة المستقلة عبر عملية سياسية ومفاوضات برعاية أميركية. 

ولم تحصد هذه الإستراتيجية غير تعميق احتلال الأرض والسيطرة المباشرة وغير المباشرة على الشعب الذي توج برفض إسرائيلي صريح قولاً وفعلاً  لحل الدولتين.
وباعتماد حل «الأبارتهايد» الفصل العنصري من طرف واحد، في الوقت الذي ترفض فيه الإدارة الأميركية أية بدائل سياسية، وقد قامت عملياً بصد واعتراض وتعطيل محاولات فلسطينية للذهاب إلى مجلس الأمن والمؤسسات الدولية، دون أن تعترض أو تعطل عمليات تعميق الاحتلال والاستيطان، وفي الوقت الذي نشهد فيه لا مبالاة دولية وعربية فاقعة ومنقطعة النظير.

عندما يفضي مسار حل الدولة المستقلة إلى نقيضه، وهو حل الفصل العنصري الذي هو أقل من «حكم ذاتي محدود»، فهذا يطرح إعادة نظر وبحث في العامل الذاتي الفلسطيني والأسباب الداخلية والمسؤولية الفلسطينية في الوصول إلى هذه النتيجة المأساوية.

يطرح سؤال، لماذا انتظر أصحاب إستراتيجية الحل السياسي والمفاوضات كل هذا الوقت الطويل جداً؟ لماذا صبروا على التقويض الإسرائيلي المتدرج والمتراكم والمتسارع لمقومات الاستقلال والدولة الفلسطينية؟

عدم الكشف المبكر عن داء «الأبارتهايد» رغم وجود أعراض كثيرة وفاقعة، لا يمكن عزوه إلى خداع إسرائيلي أميركي، لإن الوقائع على الأرض كانت تكفي للتحرر السريع من كل أنواع الخداع، وإذا كان استشراف النتائج  والمستقبل هو من أهم خصائص القيادة السياسية الناجحة فإن قراءة ما يجري على الأرض يأتي بمثابة بديهية.

رغم الأعراض الكثيرة، ظل الخطاب السياسي والإعلامي الرسمي يتحدث عن الحل، وعن بناء مقومات الدولة، ولا يمكن تفسير ذلك إلا بالرهان – من طرف واحد – على تدخل أميركي لمصلحة القيادة الفلسطينية في الوقت الضائع، وظلت البنية الإدارية والمؤسسية والمالية والجماهيرية (السلطة) في حالة انتظار الحل، ولم يتم تعديلها تحسباً لفشل الحل، ولا حتى توظيفها للتسريع في إيجاد الحل الموعود.

الخلل الأكبر، كان في عدم استعداد  المستوى السياسي على مدى 21 عاماً لاحتمال فشل الحل السياسي، والدخول في خيار آخر، والاستعداد لبناء مقوماته كبديل للفشل والإخفاق.

لا يوجد في السياسة خيار وحيد، ولا يوجد منطق البقاء في مسار قاد إلى نتائج وخيمة، وإن الاستمرار في مسار فاشل له مدلولات أخرى غير الاختلال الهائل في ميزان القوى وفي وجود شعب ضمن قبضة الاحتلال الأمنية. 

الأسباب غير المعلنة هي عدم استعداد المستوى السياسي للتغيير، وإبقاء الحركة السياسية وخياراتها على مقاس البيروقراطية الشائخة. إن أي تدقيق في بنية  المؤسسة السياسية (المنظمة) سيجد تثبيتاً لبنية شائخة غير قادرة على المبادرة والفعل والتفعيل، وثمة صلة وثيقة بين التثبيت على خيار الحل الفاشل واستمرار التعايش مع الفشل، وبين تثبيت البنية الشائخة، وآليتها المعتمدة في اتخاذ القرارات.

قرار المجلس المركزي في إنهاء التنسيق الأمني، وعدم ترجمة القرار ما الحق افدح الأضرار بالمؤسسة وبمعنويات الناس وبثقتهم ومعنوياتهم. وقرار تشكيل حكومة تكنوقراط  دون التوقف عند شروط عملها، والتسرع  بتوزيع حقائب بمعزل عن تمتع أصحابها بالمؤهلات المطلوبة.  ثم اكتشاف أن هذه الحكومة لا تملك اتخاذ قرارات بوجود قوى سياسية مسيطرة على الأرض.

بعد ذلك، يتم الإعلان عن استقالة حكومة التكنو قراط والتوجه إلى حكومة وحدة وطنية، ثم يتم الإعلان عن تعديل وزاري، ويتبين أن كل المحاولات تصطدم بموافقة الشريك ( حركة حماس) أو انفضاض الشراكة. 

وقرار نقل أمانة سر المنظمة من عضو اللجنة التنفيذية ياسر عبد ربه إلى عضو آخر دون تحديد الأسباب وفي غياب  المستهدف الذي شغل عضوية اللجنة  على امتداد 45 سنة.

إن نماذج القرارات السابقة تعكس أن آلية اتخاذ القرار لا تخضع للدراسة والتحضير ولا لعملية تذليل العقبات وانضاج شروط النجاح قبل الإعلان عن قرارات، وتطرح إشكالية وجود كم كبير من المستشارين، هل هؤلاء مسؤولون عن سياسة التجريب والتسرع؟

غياب أو فوضى المعايير مظهر آخر لازمة المستوى السياسي، ثمة خلط بين أن يكون القيادي موالياً «أي جزء من القرار ومدافع عنه، وبين أن يكون معارضاً وراديكالياً جذرياً، بين أن يكون متهما بالفساد وبين أن يهاجم الفساد والفاسدين، بين أن يكون فردياً أبوياً ويهاجم التفرد والأبوية بلا رحمة، بين أن يكون ملتزماً بسياسة الأميركان ومهاجماً لها في الوقت نفسه.

كان آخر نموذج لفوضى المعايير، حماس البعض للإطار القيادي المؤقت والدعوة إلى أن يتحول إلى «العنوان الشرعي المؤقت». 

أصحاب هذا الموقف لا يتحدثون عن ناظم سياسي موحد للإطار، ولا عن عقد وطني اجتماعي ملزم للشركاء جميعاً ويضمن تعاملاً ديمقراطياً في ما بينهم. هذا الموقف المتطير لا يرى أسباب الانقسام ولا يتوقف عندها، تلك الأسباب التي لا ينتهي الانقسام من غير معالجتها.

هؤلاء يكررون الخطأ الذي ارتكبه المستوى السياسي حين دخل انتخابات 2006 دون التفاهم على الناظم السياسي والتنظيمي  للشراكة، إذا كان الهدف هو اندماج الإسلام السياسي في إطار المنظمة والمشاركة في القرار الوطني وتحمل تبعاته، بما في ذلك قبول احتمال أن يكون الإسلام السياسي هو الاتجاه المركزي النافذ، فهذا الهدف يستدعي اعتماد الأسس التي تعالج قضية الانقسام التاريخي (نموذج تونس) وليس فقع خطابات، وليس الذهاب إلى إطار قابل للانفجار والتشظي في كل لحظة، سيما ونحن أمام إسلام سياسي عمل طوال الوقت أثناء ضعفه وقوته بشكل موازي للحركة الوطنية أحياناً وفي مواجهتها أحياناً أخرى، وهو كأيديولوجيا يرفض التعدد والشراكة كما تقول مواثيقهم وتجاربهم في السودان ومصر وإيران وأفغانستان وغيرها. 

إن بلورة برنامج أو سياسة أو عقد مشترك  يلبي المصلحة الوطنية العليا للشعب ويستجيب لاحتياجاتها وضروراتها، وملزم لكل الشركاء، وليس صفقة تجمع بين مواقف متناقضة، أو توليفة متنافرة قابلة للانهيار في كل لحظة.     

آلية اتخاذ القرار التجريبية، كما نرى لها صلة بواقع البنية الشائخة، وبواقع البقاء في إطار خيار سياسي واحد وفاشل، وبواقع  ضعف أو غياب المساءلة والمحاسبة والنقد، وبضعف السجال السياسي الجدي.

بقي القول، ثمة حاجة للتغيير، التغيير الذي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء وبالمساءلة والمحاسبة، وبوضع نهاية لاحتكار البيروقراطية الشائخة في كل التنظيمات للمؤسسة الرسمية والحجر عليها إلى ما لا نهاية.

 

نقلا عن صحيفة "الأيام" الفلسطينية