نـصــّــان
صديق
كنت أجلس بجانبها في حافلة، أسير قسوتها الغامضة ورائحة شعرها النفاذة عائداً من جنازة صديق منتحر، أدخن بشراهة، أخبئ ما تبقى من دموع عيني في جيب معطفي، أعيد قراءة رسالة الصديق الأخيرة، أرقب مذهولاً الأشياء والأرصفة والناس وهم ينخطفون بقوة غريبة إلى الخلف، كنت أتهيأ الحديث معها، كأن أقول لها مثلاً: أيتها الفاتنة كالإعصار يا إلهية الخصور، لم يعد في قلبي متسع للكوارث، افتحي شبابيك حياتي، مزقي ستائر ظلمتي فقد اختنقت روحي في غرف أيامي المقفلة، هل قلت لها ذلك؟
لم أعد أذكر ذلك أو لم يعد يهمني أن أعرف، الحافلة تتوقف تبصق راكباً وتبتلع آخر فجأة رأيته يصعد إلى الحافلة يتقدم نحوى مبتسماً، إلهي أليس هذا هو صديقي المنتحر، لم أكن في جنازة إذن، آه تذكرت الآن كنت برفقة صديقة قديمة قالت لي: إنها تود مصارحتي بمشاعر جديدة، جلس صديقي بجانبي وسيماً كعادته، قال لي: يقولون إن الطقس سيتحسن غداً، وإنه لم يعد يثق بهم أبداً أبداً، ويفكر جدياً في الهجرة إلى بلاد أخرى بعيدة هبطت مع صديقي من الحافلة في الطريق إلى صديق آخر توقف قرب شجرة هزيلة عارية أشهر مسدساً، صوبه إلى رأسه، وقال لي قبل أن يفجرها قطعاً متطايرة: لم أعد أطيق آلام قدمي وهي تنحشر في حذائي الضيق.
وشاحك
منذ برد 1996 والشتاء يجلس في غرفتي، فكلما تذكرت معطفك الكحلي الذي نسيته على الأريكة وأنت تركضين خارج البيت لتشاركي في تظاهرة (أحداث النفق)، وأنا أشعر بالبرد، البرد ومعطفك المنسي نفقاي المسدودان. منذ العام 2006 والصيف معلق على حائطي، فكلما رأيت وشاحك الصيفي الأحمر الذي نسيته على السرير وأنت تركضين إلى وسط رام الله لتشاركي في تظاهرة ضد الاحتلال، شعرت بلسعات دم وشمس، الشمس الجهنمية ووشاحك حريقاي الأبديان، مجنونة شتائي وصيفي: كفى.