قَصفُ الزعتر .. - ستة و ثلاثون عاما على المذبحة

2015-08-13 10:27:00

حمَلَ جمرةً من لحم المخيّم و سارَ بينَ الركامِ على وهجِ فكرتها، و من عطش اثنين وخمسين يوما، تشققت فيها الروحُ، روى بكأس الدمع القاني عِرقَ دالية  ظلّ يذكّره بالجليل، و راح يشقُ خطوته النجاة من ظلم القذيفة و التخلّي.

مشى صوب بيروت المدينة، سار غربا، فلم يكن للشرق دلالات حريّة،  كان الشرق مغموساً بالكره و التيه و مسكونا بالتلمود.
راحَ يغني كلّما هز انفجار قذيفة حلم الخيمة أو أحدثت القذيفة ثقبا في سماء المخيم ، بصوته المجروحِ عاليا، رفع النشيد لينتصر على نار الحديد..

" تل الزعتر .. يَكبرُ
كالفكرة ،
كالجمرة ، يكبر
ينهض منه الشهداءُ
ويجوبونَ الساحل
يخبرهم موج البحر عن الحبِّ
ومن بقي يقاتل ..
تل الزعتر أجمل
من وجه القاتل .."

بخمسة و خمسين ألف سفاح قُصِفَ الزعترُ من ربوة الفلسطيني، و شيّد الصمتُ أبراجاً و مذياعا، و كان آب طويل الحداد، أطوَل من جدائلِ دمشقيةٍ  تبكي حرف الضاد في درب آلآلآم الجديدة، و على خشبٍ قلفونيّ عُلّقت خيامُ اللاجئين، و قيلَ أن آدم بالشجرة الأم إرتكبَ الخطيئة في البدءِ و تلاهُ أعوانُ يوشع بن نون الجديد ، لكنّ الفكرة في نبض الراية عاشت، شربت حسرتها ، و مدّت جذورها خلف الحدود إلى الشمال، و تل الزعتر نهضَ على أرضٍ أخرى ، حمل العشاق مفاتيح الحلم و ساروا غربا، ومن الصفيح عمّروا انتظار عودتهم إلى نيسان البلاد.

خيمة أخرى، شيدها الناجونَ من إتفاق الموت، و كعادةِ أهل البلاد، يحملُ الوليد إسم الشهيد، منذورا لخطاه ، و لتل الزعتر..!

ولد تل الزعتر الجديد، و بعد تسعةٍ و ثلاثين عاما تحت صفيحٍ شيّده اليأس، كبُرت داليةٌ في قلبِ رجل كهلٍ ، و على فراش الغربة الأخير عاد يغني ..

" تل الزعتر .. فكرة
يمضي منها الشهداءُ
صوبَ الساحل
يخبرهم موج البحر عن الحبِّ
و من بقي يقاتل ..
تل الزعتر أجملُ
من وجه القاتل ..
تل الزعتر ، جمرهْ
تولَدُ منها الثورةْ .. "