ثمار ألون وأوسلو
قبل سبعين عاما في ذروة مأساة الحرب العالمية الثانية أسقطت الولايات المتحدة قنبلتين نوويتين ("الطفل الصغير" و "الرجل البدين") على التوالي على هيروشيما وناغازاكي. تم حرق ربع مليون من البشر حتى الموت بصورة فورية ومئات الآلاف في وقت لاحق من التسمم الإشعاعي. كان إرهاب الدولة لم يسبق له مثيل في تاريخ البشرية تم بدوافع سياسية ليس لإنهاء الحرب كما إدعى ترومان ولكن كإشارة إلى الاتحاد السوفيتي لمرحلة الحرب الباردة كما سميت. ونفس المجرم ترومان هو من خلق دولة إسرائيل العنصرية والتي أيضا تحرق الأطفال وتدمر الشجر إلى الحجر. تدمير أشجار زيتون رومانية عمرها 2000 سنة في بيت جالا هذا الأسبوع تم لإغلاق أخصب وادي غرب بيت لحم (وادي أبو أحمد، منطقة كريمزان). المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية تتجاهل المجزرة المستمرة للأرض والناس ولم تعد بيانات المنافقة والتنديد تنطلي على أحد. وبالتالي المتآمرين المشاركين في الجريمة بالمعنى القانوني هم من يدعي أنهم يقودون الشعب للحرية. لم يعد هنالك مجال للسكوت وأريد أن أركز على السلطة الفلسطينية كأكبر مؤسسة مفيدة للإحتلال ومستفيدة من إستمرار الإحتلال والتنسيق الأمني.
دعونا نبدأ بتاريخ السلطة الفلسطينية: كانت فكرة وجود سلطة الحكم الذاتي في المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكانهي فكرة الحكومة الإسرائيلية التي اعتمدتها كسياسة بعد تكوين لجنة أنشئت برئاسة الجنرال يغال ألون عام 1968. بعد حرب عام 1973 وتدخل الولايات المتحدة لإنقاذ إسرائيل (هنري كيسنجر شحنات الأسلحة وغيرها من أشكال الدعم)، قررت جماعة الإستسلام داخل المنظمة استغنام الفرصة والترويج لمصالحة ولمشروع ألون بصورة أخرى . هكذا جرو منظمة التحرير الفلسطينية إلى التحرك للحصول على رضا الحكومات الغربية وفي المقام الأول الولايات المتحدة ببرنامج العشر نقاط عام 1974 والتزامن مع محاولة اسرائيل تطبيق برنامج ألون (التصفية) عن طريق روابط القرى. وتسابقت مجموعة أبو مازن بموافقة الختيار أبو عمار ل "إعلان الاستقلال" تطبيقا لنفس البرنامج في عام 1988 وتسارع هذا النهج في عملية أوسلو في عام 1993 لتنفيذ خطة ألون. هذه ما سماها أدوارد سعيد النكبة الثانية. نجح مشروع أوسلو ببراعة في "تدجين" منظمة التحرير الفلسطينية وحتى إنهاء ما تبقى منها واستبدالها ب " السلطة الفلسطينية"، المحسوبية والفساد بدأت من زمن الختيار وتفاقمت مع التسلسل الهرمي. المال والوظائف والامتيازات أصبحت عملة أولئك الذين يتفاخرون بمن ضحوا قبل تفشي نظام ألون. المفاوضات باءت حياة ومصالح لا نهاية لها والتنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة مقدس. لا أحد يتساءل كيف هو أنه في عام 1993، عاش 150000 مستوطن في هذه الأراضي المحتلة، وكانوا يخشون على حياتهم واليوم في عام 2015،هنالك 650000 مستعمر ويعيشون براحة مع الإفلات من العقاب حتى حرق عائلات فلسطينية. هذا هو مسؤولية البرنامج الممنهج الموضح أعلاه وثمرته السلطة الفلسطينية كمقاول للإحتلال وجاء الإنقسام كتحلاية لهم.
لم تكن هذه نتائج غير متوقعة. المستشارين الفلسطينيين وغيرهم من الخبراء المعنيين حذروا القيادة السياسية والتي كانت تلهث وراء مصالحها الشخصية من مصنع أسمنت ومن احتكارات اقتصادية أخرى إلى VIP. بعض المستشارين ترك "المفاوضات" باشمئزاز وبعضهم قرروا أن يلحقوا بعربة الامتياز والسلطة. الأكثر ضررا هو ترسيخ الاحتلال العقلي بين النخب وقطاعات واسعة من الفلسطينيين العاديين. يتميز هذا الاحتلال العقلي:
أ) القبول الضمني أو الصريح بأن اسرائيل قوية والفصل العنصري وجد ليبقى
ب) القبول الضمني أو الصريح بأن الحكومات الغربية وخاصة الولايات المتحدة ستستمر بدعمها لإسرائيل
ج) يعتقد المستسلمون بأن الخيار الوحيد لحياة شبه مريحة إما العمل مع السلطة الفلسطينية أو مع المنظمات غير الحكومية (سنتعامل مع المنظمات غير الحكومية في مقالة منفصلة). الوهم أن الحياة ممكنة تحت الاحتلال وبدون نضال من أجل الحرية هو احتلال عقلي.
د) موقف إمشي الحيط الحيط ولا تهز القارب جنبا إلى جنب مع عدم الايمان بالشعب (المسؤولين في السلطة الفلسطينية يقولون لي دائما الشعب الفلسطيني ميؤوس منه الخ).
ه) عدم الثقة بمن يدعون أنهم مقاومة ولكن تبقى الأمثلة من الشهداء والأسرى المضربين عن الطعام تحديا لهذا التشكيك
في كتابي عن "المقاومة الشعبية في فلسطين: تاريخ من الأمل والتمكين" شرحت كيف أن مثل هذه القيادات الفاسدة تلاشت في نهاية المطاف وكيف أن الناس العاديين يصنعون تاريخهم. طبعا لا يزال عندنا أمل صغير أن تتوب هذه النخبة وترجع لشعبها وحتى حلم أن نرا أبو مازن وصائب عريقات والآلاف المستنفعين يقفو أمام الجرافات ويعتقلوا وييكون جزء من الشعب بدل أن يكونوا أداة لأعدء الشعب.
كل يوم أرى أمثلة بطولة وتضحية بالنفس (مثلا خضر عدنان ومحمد علان) بالتوازي مع أمثلة من الجبن والاحتلال العقلي. ولكن أولئك الذين وضعوا مصلحتهم الشخصية قبل مصلحة شعبهم يقاتلون أيضا مع بعضها البعض على "الكعكة" المتناقصة. التاريخ سيتركهم بالعار. مهمتنا هي مساعدة الجيل الجديد على مقاومة الاحتلال العقلي أولا والنهضة والبناء من تحت الركام. صراخ النساء المدافعات عن المسجد الأقصى يمتزج مع صراخ الأطفال المحروقين ومع صراخ مالكوا الأراضي الذين يحمون أشجارهم بأجسادهم. حان الأوان أن لا نسكت على هذه المهزلة وعندنا قدرات ملايين الفلسطينيين وملايين الأجانب الذين يمكن تجنيدهم بعد إزالة نظام أوسلو. نحن شعب يمكن إيقاظه وتنظيمه لمعركة الوجود. الاختيار إما الحياة بكرامة أو كعبيد (سواء عبيد في مكاتب فاخرة في رام الله أو غيرها فلا زالوا عبيد). إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر.