خريف التسوية الممل وخريف العرب المزمن

2015-09-17 08:31:51

إنْ جازَ لنا أنْ نعتبرَ أنَّه كان ثمَّة مِنْ ربيعٍ واعِدٍ للتسويةِ السِّياسية – أصْلاً – في بداياتها على صعيد القضية الفلسطينيَّة وبما رافق ذلك من آمالٍ كبيرة إقليميَّاً، فها نحنُ نكتشف – وليسَ الآن فقط بل ومنذ زمنٍ بعيدٍ – أنَّ هذه التسوية كانت وما زالت تعيشُ خريفاً طويلاً قد تساقطت بفعلهِ آخر الأوراق الَّتي كانت تبدو لِلْبَعضِ يانِعَةً على أشجارِ وشُجَيْرات المشاريع والمبادرات الإنعاشية في غابةِ سياسات القوى الدَّوليَّة وعلى رأسِها الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة والَّتي استهدفت إعادة دورة الحياة لمشروع التَّسوية بِرُمَّتِهِ مِراراً وتكراراً منذ أنْ انطَلقَ قطاره مُتَرَنِّحاً على سكَّةٍ مُلتويةٍ في مطلعِ التِّسعينات من القرن الماضي.
سألني ذات مرَّةٍ – ومن وقتٍ قريبٍ نسبيَّاً – أحَدُ الأصدقاء من المُثَقَّفين والمفكِّرين العرب ومن المهتمِّين بالشأنِ الفلسطيني والغيورين عليه، قائلاً: ما هو تقديرك لوضع القضية الفلسطينية في هذه المرحلة بالذَّات؟. وهي بالمناسبةِ ذات المرحلة التي تلقي علينا بظلالها الآن بشكلٍ كثيفٍ قاتم.
فَقُلتُ له وحيثُ لا يُجدي الإختصار: لنْ أقول لك العبارة المأثورة الَّتي لطالما تردَّدت في الأدبيات والتصريحات الفلسطينيَّة والعربيَّة منذ زمنٍ بعيد من أنَّ القضية الفلسطينيَّة تمرُّ الآن في أخطر مراحلها، فمجرَّد وجود هذه القضيَّة ومن حيث الأساس هو خطرٌ محدق بالشعب الفلسطيني، بماضيه وبراهنه وبمستقبله وبشعوب المنطقة العربيَّة عموماً، وهي بالتأكيد لم تكن يوماً من الأيَّام خارج مروحة الخطر المُحْدِق المفتوح على كافَّة الإحتمالات والمرتبط بخيارات وبضرورات وبرغبات إسرائيل وبمصالح القوى الدَّوليَّة الفاعلة المتحالفة معها، وفي مُقَدِّمتها الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، في بيئة الخلافات والضَّعف والعجز العربي، والَّذي هو أكثر حدَّةً الآن وإلى زمَنٍ غيرمنظورٍ واقعيَّاً !!.
ولكن، ربما ما يميِّز هذه المرحلة بالذَّات أنَّ القضية الفلسطينيَّة الآن تعيشُ مرحلة النِّسيان والإهمال على صعيد الوجدان العربي الجَمْعي ومرحلة التَّخلِّي النَّظري والعملي على الصَّعيد العربي الشَّعبي والرَّسمي على حدٍّ سواء – وربما أكثر من أيِّ وقتٍ مضى – وهي كانت ولم تزَلْ تمرُّ مروراً إجباريَّاً في دهاليز المُخاتلات والمخادعات الدَّوليَّة والمراوغات الإسرائيليَّة، ولكن ربَّما بشكلٍ أكثر عمقاً وشمولاً وبأبْعَدِ أثَرٍ الآن، في بيئةٍ من الإنقسام والتَّشَظِّي والإنشقاق الفلسطيني الدَّاخلي، وفي مناخ فقدان الخيارات، أو الإفتقارِ لها، وضياع المسارات واكتشاف خطأ الرِّهانات على صعيدِ منهج التفكير السِّياسي الفلسطيني، والأهم من ذلك في ظلِّ المحاولات الإسرائيليَّة الَّتي ربما تسهدف الآن بالتَّحديد إجراءَ وفرض تغييراتٍ منهجيَّة وبنويويَّة في بئيةِ وبنية القيادة الفلسطينيَّة، وهي ذاتها المحاولات والإجراءَات الإسرائيليَّة الَّتي لم تتوقَّف أو تَكُفَّ يوماً من الأيَّام عن التَّدَخُّل في فرضِ شروطٍ ومواصفاتٍ معيَّنة لأنماط القيادة الفلسطينيَّة التي ترغبُ إسرائيل في الحديث إليها أو التعامل معها مُستهْدِفَةً محاولة إعطاء أدنى القليل من شبهة الحقوق السِّياسيَّة للفلسطينيين الخاضعين لاحتلالها، وهي بالمناسبة سياسة إسرائيليَّة لم تتبدَّل منذ الخامس من حزيران عام 67 وحتَّى هذه اللَّحظة، وقد شرحها وعلى سبيل المثال – شلومو غازيت – أوَّلُ منسِّقٍ لأعمال الحكومة الإسرائيليَّة في المناطق المحتلة والَّذي كان قد شَغِلَ هذا المنصب لمدَّة ثمانية عشر عاماً منذ الخامس من حزيران عام 67 وحتَّى عام 1985 في كتابه الشَّهير ” الطُّعم في المصيدة “. وأُعيدَ التأكيد على ذلك في أكثرِ من مصدَرٍ إسرائيلي ليسَ آخره ما كتبه – أفرايم هليفي – مدير الموساد السَّابق في كتابه الشَّهير ” رَجُل في الظِّلال “. عِوَضاً عمَّا صرَّحَ ويصرِّحُ به رئيس وأعضاء الحكومة الإسرائلية السَّابقة والحاليَّة بمناسبةٍ وبغيرِ مناسبة.
إنَّ كل الإجراءَات الإسرائيليَّة وأوَّلُها وقائع الإستيطان الجغرافيَّة والدِّيمغرافيَّة وبالتَّالي الجيوسياسيَّة، إضافةً إلى السُّلوك الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين بشكلٍ عام وما يجري هذه الأيام في القدس ومحيطها وفي الضِّفة الغربية، عِوضاً عن ضعفِ الأداءِ الفلسطيني بفعل عوامل ومفاعيل ذاتيَّة وموضوعيَّة ومنها عوامل  التعرية وتهتُّك وضعف المشهد السِّياسي فلسطينيَّاً وعربياً واستمرار غياب الدَّور العربي عن الحضور في المشهد الدَّولي وضمن أدنى الحدود الممكنة، إضافةً إلى عوامل المخاتلة والمخادعة وحسابات التَّسويات الخاصَّة على صعيد لعبة  الأمم وضرورات مصالحها إقليمياً ودوليَّاً فيما يخُصُّ القضية الفلسطينيَّة والقضايا الإقليميَّة الأكثر إلحاحاً بالنِّسبةِ لها وفي مقدِّمة ذلك مسألتي سوريا والعراق وصياغة العلاقة الجديدة مع إيران والتَّصَدي لعودة الدَّور الرُّوسي إلى الفعل دوليَّاً وإقليميَّاً في الشَّرق الأدنى والأوسط؛ تؤكِّدُ على حقيقةٍ واحدة، هي أنَّ خريفَ هذه التَّسوية سيمتد أكثر إلى الأمد الَّذي يُمكِّنُ إسرائيل – وهكذا يبدو – من الإستمرارِ في فرضِ كامل شروطها إذا لم يتم استثمار واستغلال إرهاصات ولادة المشهد الدَّولي الجديد بفعلِ ما أشرنا إليهِ من عودة الدَّور الرُّوسي وتنامي دور بعض القوى الإقليميَّة في أواسط آسيا وفي شرقها وفي أمريكا الَّلاتينيَّة في إطارِ التَّحالفات أو التفاهمات الإستراتيجيَّة ضمن مروَحَةِ التكتُّلات والمنظومات الأمنية والإقتصادية العملاقة ومنها على سبيلِ المثال مجموعة دول ” البريكس ” الَّتي تضم كلَّاً من البرازيل والهند وروسيا والصِّين وجنوب إفريقيا وعلى الطَّرَفِ منها إيران وبما تتضمَّنه هذه المنظومة من كتلة بشريَّة عملاقة وإمكانات اقتصاديَّة ونقديَّة هائلة، وبما يتضَمّن محاولة ممارسة الضَّغط فلسطينيَّاً وعربياً أو هكذا يُفتَرَض – وكإحدى الخيارات الواقعيَّة والهامَّة – على المؤسَّسات الدَّوليَّة ومنها مؤسَّسة الأمم المتحدة من خلال استثمار بيئة التَّغيُّر هذه في المشهد الدَّولي تحديداً ومن خلال هذه القوى حصراً بعيدا عنً استمرار التمسُّك بأوهامٍ تَتَصِل فقط بالتجريدات النَّظرية للقانون الدَّولي الغائب أصلاً عن ممارسة أي فعلٍ حقيقي وبالبعد عن التَّمَسُّك بالنظريَّة القائلة – ومنذ منتصف السِّبعينيَّات من القرن المنصرم – أنَّ التِّسعة والتِّسعين بالمئة من أوراق الحل بيد أمريكا حصراً، وذلك قبلَ أنْ ينتهي خريف التَّسوية الطَّويل بشتاءٍ قادِمٍ دامٍ قاتِمٍ ثقيلٍ طويلٍ هو الآخر – لا قدَّرَ الله – في الضَّفة الغربية تحديداً وعلى حوافِّ قطاعِ غزَّة أو ربما في أعماقه الطَّفيفة جغرافيَّاً أصلاً وبما يمتدُّ إلى عموم المنطقة بتأثيراته وارتداداته إضافةً إلى ما تُعانيه المنطقة من ويلات التَّطَرُّف والإحتراب والنِّزاعات البَيْنيَّة وتمزُّق النسيج الإجتماعي ومسلسل انهيار الدُّول وتهتُّك الحدود أمام موجات العنف والإرهاب العابرة لتلك الحدود، إنَّه وللأسف، خريفُ التسويةِ المُمِلِّ الطَّويل بل وخريف التسويات القاحلة القادمة في عموم المنطقة – وقبل ذلك وفي الأساس – خريفُ العرب المُزْمِنْ!!.

المصدر  راي اليوم