أزمة بيت لحم وسوء الفهم
نظرة نقدية وتحليلية لاعتداء عناصر الأمن على شاب في بيت لحم، والهدف منها الوصول الى تفسير حول أسباب الخلاف بين الشاب وعناصر الأمن، وكذلك لضمان عدم تكرار صدامهم، بالاضافة الى لفت انتباه صانع القرار في وطننا المحتل وحثّه على الوقوف مليّا عند خطورة المشهد الذي أثار الاحتجاج.
تتصدر المشهد سحابة سوداء تقف حائلة وتغلق الأفق وتشوّش الصورة حول رؤية القيادة في مقاومة الاحتلال وبين سلوك الشاب في الاحتجاج على ما يحدث في القدس. فالقيادة تتبنى المقاومة الشعبية السلمية والشاب يتصدى لاعتداءات الاحتلال بصدره، في الوقت الذي يفرض على عناصر الأمن الوقوف عند مسؤولياتهم في حمايته من التقدم نحو الخطر والاصطدام المباشر مع جنود الاحتلال الاسرائيلي.
ما سبق يثير تساؤلاً حول مدى وضوح الرؤية التي تتبناها السلطة الوطنية في مقاومة الاحتلال بالنسبة للمواطنين؟ وكيف يمارس المواطنون الجزء المتعلق بدورهم في المقاومة من خلالها؟ ردّة فعل عناصر الأمن كانت قاسية بشهادة قادتهم، وبالتالي هل يتقن عناصر المؤسسة الأمنية دورهم في خدمة رؤية القيادة؟ وماذا عن اجراءات تنفيذ سياسات السلطة الوطنية في المقاومة الشعبية السلمية؟ هذه وغيرها من الاسئلة المشروعة التي تساعد على فهم الوقائع لاحدات في بيت لحم.
انفعال الشاب على ما يجري في المسجد الاقصى المبارك، حيث استشاط غضباً على صدى سيناريوهات التصعيد الاسرائيلي في القدس، بمثابة انفعال شرعي وحق طبيعي في الدفاع عن المقدسات، وياتي في اطار التضامن والاحتجاج للشعب المقاوم الثائر، وهذه الحقوق جميعها تكفلها السلطة الوطنية ضمن رؤيتها التي تقوم على المقاومة الشعبية السلمية والدبلوماسية، ولكن الصدام مع الاحتلال وتعريض النفس للخطر هو الشيء الذي لا تكفله الرؤية، فان عدم وضوح الاستراتيجية الأمنية ينتج العنف بين الطرفين، وهنا بيت القصيد !
خطابات الرئيس محمود عباس التي تتبنى المقاومة "الشعبية السلمية" سلاح قوي في يد الشعب الفلسطيني لمقاومة الاحتلال وكشف زيف روايته ووحشيته، كما انها تطالب بحق شعبنا في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة كباقي شعوب العالم، وبالتالي يتجسد هذا الخطاب في اجراءات الأجهزة الأمنية التي ترافق أبناء شعبنا في فعالياته ضد الاحتلال الاسرائيلي، وعلى وجه التحديد في مناطق التماس الساخنة، حيث تقوم بمهمة حماية ارواحهم من خلال منعهم من التقدم نحو الخطر، وهذا ما يشير اليه الناطق باسم الأجهزة الأمنية اللواء عدنان الضميري رداً على انتقاد استراتيجية السلطة الوطنية في حماية المتظاهرين، اذ يطالب بعدم التشكيك بدور الأمن وعدم المزاودة عليه، فالقيادة تتبنى خيار المقاومة الشعبية والدبلوماسية السلمية في التصدي للإحتلال الإسرائيلي، وأن كافة الفصائل الفلسطينية توافقت في القاهرة على تبني خيار المقاومة الشعبية.
البعد الآخر الذي يفرض تعميق النظر الى ما جرى في بيت لحم، حول اجراءات عناصر الأمن في سبيل تحقيق الاستراتيجية وضمان تنفيذ القرار الذي يعكس استراتيجية سياسية تنتهجها السلطة الوطنية، دون اطلاق الاحكام ولأول وهلة تدل تصريحات قادة الأجهزة الامنية التي اشتركت عناصرها في الاعتداء على نبذ العنف ورفضه واقصائه، فمن يتبنى استراتيجية مقاومة شعبية سلمية، يرفض العنف.
الاعتداء يخالف الدستور، ويخالف القوانين الانسانية، وبالتالي لا يمثل سياسة المؤسسة الامنية، ولا قوانينها على الاقل من الناحية النظرية. يستوجب ذلك اجراء اعادة صياغة لآليات تنفيذ القرارات من خلال استئصال سلوكيات العنف.
وتشكيل لجان على مستوى قيادة الأمن الوطني التي اصدرت قرارات باعفاء قادة وحبس أفراد من عناصر الأمن، وكذلك لجنة الحكومة بتوجيهات رئيس الوزراء ووزير الداخلية رامي الحمد الله يعيد التوازن الى المشهد من جديد، ولكن هذا لا يعني ضمان عدم تكرار ما جرى في بيت لحم لأن المسألة أعمق من ذلك بكثير، وتحتاج الى اعادة تقييم من صانعي القرار وبناء اليات تقنع الشعب بها وتجعله يتبناها ويفهمها ويتشربها في اطار المصلحة العليا.
لذا فعدم وضوح استراتيجية المقاومة بين السلطة الوطنية من ناحية، والمواطنين من ناحية أخرى، يؤدي الى ارتباك شعبي يحاكي ردة فعل أبناء الشعب في بيت لحم، وربما يؤدي الى ارتجاج في الموازين السياسية والامنية، كما انه يضعف الجبهة الداخلية لشعبنا، ويزيد من القلق حول قضايا الولاء والانتماء.