سيدي بو سعيد بعد 20 عاما من الغياب

2015-10-30 06:51:18

 

كان الليلب قد ارخى سدوله عندما عدت الى سيدي بوسعيد بعد عشرين عاما من الفراق، فانا الغائب عن القرية الواقعة على ربوة مطلة على البحر بتونس العاصمة التي كنت احد ساكنيها وقت دراستي الصحافة في هذا البلد، لم اكن اتوقع يوما ان ارى تلك القرية بسحرها المميز بلون بيوتها البيضاء وزرقة ابواب منازلها ونوافذها، لم اكن اتوقع ان اجدها بهذا الحزن الذي يلفها.

حجارة ازقتها القديمة المرصوفة التي لم تشك من عدد الزائرين عندما كانوا يُعَدون بالالاف يوميا، باتت اليوم مثقلة بهموم الغياب، ففي تلك الساعة التي ممرت بها بدت على غير حالها موحشة تغزوها العتمة وحفيف اوراق الشجر الذي لم يكن ليسمع في زمان كنا وكانت فيه، فاصوات الزوار وهم يعجون المكان كانت تبعث الحياة في تلك   الازقة.
حتى تلك القهوة حارسة البحر من ارتفاع يرنو على ثلاثمئة متر والمطلة على مرفئها، لم تعد كما كانت، فبعد ان كنا وقت كنا ننتظر حتى يغادر احد الرواد كي نجلس لاحتساء الشاي بالصنوبر او"التاي بالبندق" كما يحلو للتونسيين ان يسموه، احتار مرافقي وانا اين نجلس فالخيارات تعددت والمكان يكاد يكون خاويا تلفه البرودة وعتمة   الليل.
غادرت القرية والبلاد، والحسرة تأكل انفاسي، فلا المكان هو المكان، ولا الصورة هي تلك التي ظلت في خاطري على مدى سنوات   الفراق.
عدت الى فلسطين وانا احمل كثيرا من التساؤلات، وفيها من الحب والخوف على هذا البلد ما هو اكبر، فاقول هل حققت تونس ما كانت تصبوا اليه من تغيير، وهل هذا الذي كان يحلم فيه من ثاروا بعد بو عزيزي، وهل وهل ....
قد اخالف البعض الرأي وربما كثيرون عندما اقول ان تونس التي كانت في داخلي افضل مما رأيت، ففيها كانت الروح والحياة ، وفيها كان الامن والامان، وفيها الجمال والبهاء.
ربما يقول قائل ان تونس اليوم تعيش التعددية والحرية، اقول قد يكون ذلك، لكن السياسة وحدها لا تطعم الخبز.
فهذا البلد الذي يعتمد في اقتصاده ودخله القومي على السياحة باعتبارها الذهب، فقد هذه اللمعان بعد ان تراجعت السياحة فيه الى نسب تصل لنحو سبعين في المئة بعد العمليات الارهابية وابرزها تلك التي وقعت في سوسة وسط الجمهورية ومتحف باردو بالعاصمة تونس واودت بحياة العشرات من السياح الاجانب ومعهم تونسيون.
لا اريد ان اطيل لكني اقول، على تونس ان تعود كما عرفتها، فتونس التي في خاطري وداخلي عليها ان تكون كالصفة التي تحمل، خضراء لا تشيخ.