شواهد المدن المفقودة
شواهد المدن المفقودة
نصوص : طارق عسراوي.
(١)
سعيد الحزين
أفضلُ من قادَنا، بثقةٍ، إلى اللامكان !
لم أتوقّع أن يطاله الموت، غير أنه "ماتَ، و أظنّهُ شهيداً"،
قد فهقت في سمعي وبصري! هكذا تلقيتُ خبر موته، وهو الحاضر دائماً دون موعد أو اشارة.
بحثتُ عنه يوماً، وجمعت كل شوارع المدينة .. ولم أجده! وهو الذي لم يغب عن طرقاتها لحظةً واحدة، فتراه كأنه تناسخ في كل جادّة ودرب.
سعيد، ابن الأرصفة المبتلّة بريق الشتاء الساخن، وسائق الوَهْم البديع. هو على يقين أن الأسلاك الرفيعة التي صنع منها مركبته وراح يقودها تشبه في حقيقتها شجرة الكينا التي كان يلجأ إلى جذعها، كأنها أمه التي يرتمي على حضنها فينام.
ظلّ سعيد حاضراً في سنواتنا ومشاهدنا، بأعوامه التي تجرّأت على جسده منذ خمسة وأربعين عاماً، وكان أفضل من قادَ أبناء المدينة إلى اللامكان .
كان معظمهم يتطامن معه فيمسك بتلابيب قميص سعيد، ويسير خلفه مهرولا،ً ليوصله حيث يشاء، وكان بعضهم يعتذر منه بأنه قد وصل إلى مبتغاه. وسعيد سادر في الطرقات، كأنه قطار من لحم ودم، يريد من الآخرين أن يؤوبوا معه مثل ريح تكنس الطرقات.
" توصيلة " هي كلمة السرّ، التي تشحذ الدواليب وتحركها، بمصاحبة صوت الموتور الذي يصدره إيذاناً ببدء الرحلة.
لقد سرت دواليب الوهم في لحمنا وحلمنا، وربّما صدقنا سعيد بأنه سيوصلنا إلى مكان ما نجهله.
مَن لم يعرف سعيد الحزين، زوربا مرج بن عامر، لا يعرف فن القيادة، ومن لم يركب خلفه في مركبة الوهم، التي لم يصبها العطب، حتماً لن ينجو من مراكب الأمواج المتلاطمة، والتي تضرب أيامنا، وتقطع رأس المدينة وتعطل حراكها. فمركبته درس النجاة من الغفلة و الإفتعال.
أترى لو كان سعيد حاضراً، هل سيقودنا إلى درب الأمان ؟
مَن غيره المتمرس في دولبةِ السلك المقود، وانتشال الخطوة الغارقة في الوهم والعجز والعدم؟.
من غير سعيد يوصلنا إلى ما نشتهي من برّ لم نصله بعد، ويبدو بعيداً من غير سعيد الحزين.
مَن غيره؟!
***
(٢)
آية المدينة
إلى وهيب مطوّر.
لم يحتمل قلبُ وهيب زحمة إشارة المرور وغبار المدينة، وأوجاع أترابه اليتامى، الذين يتسابق معهم ليبيعوا عبوّات الماء و المحارم الورقية، فيما يَهِبُ لأصحاب السيارات آية الكرسيّ الكريمة، كأنه يقدّم رُقيَةً تقيهم شرّ الآتي من العين و السحر و الإحتلال.
ذرع وهيب شوارع رام الله، وعقصته زفرات العابرين إلى اللامكان، غير أن المنارة بأسودها التي تحجّرت لم تعد تزأر في وجه الموت، ليحيد عن وهيب مطوّر، ابن الأربعة عشر ربيعاً، وصاحب الصوت المبحوح، حتى احتشد قلبه الغض، وأخذه بسكتته القاضية إلى الغياب.
هو الموتُ يأخذُ العاديُّ من حياتنا غفلةً دون أن نحسّ بما تركه الرحيل المرّ من قسوةٍ وتجهّم على وجه المدينة.
لم ألحَظ موته، لولا ملصق النعي الذي حمل صورته وآية الكرسيّ. ولم أكن أعرف اسمه، إلا انني رأيتُ وجهه المشعّ مثل نبيّ يجوب الطرقات بتمتات كتابه المقدّس، و بصوته المحمول على أدعية العافية و السِتر، كلّما مدّ يَده بتلك السورة، لتحفظ السماء صاحبها.
مَن يحفظ المدينةَ من ربقة السحر الأسود و الأوهام بعد وهيب؟
ربما لن تلحظَ المفارق غيابَ الفتى، غير أنّي سأفتح شباك مركبتي في انتظار يد الملاك المضيئة بسورة الكرسي.
***
(٣)
- لمن يعرف الحكاية ..
رسمت له صورة نمطية في مخيلتي، فلم أره قط، كان صوته حاضراً، يخترق عتمة الليل مثل رمح فتيّ، يحطم زجاج المدينة ويكسر صمتها العميق !
لسنواتٍ لم يكفّ عن النداء المستحيل، حتى صار جزءاً أصيلاً من سمات ليل المدينة، فللمدن خصوصياتها التي لا تقبل التشابه، و صوت عدنان إحدى علامات المدينة الفارقة.
من يعرف عدنان المندريس، ذاك النداء الغرائزيّ للمرأة التي لملمت شظايا حزنه المنثورة و الجارحة ..!
رحل حارس الليل، و سكنت المدينة ليلها الهادئ ناقصة صيحةَ الانتباه الحامضة، و بعد خمسة عشر عاماً ما زال صدى صوته يرتد في ذاكرتي العميقة ، يُطلّ برأسه من نافذة الجبل المقابل و يرسلُ في مرج بني عامر صيحة الوجود " يمّااا " !!