لماذا نجح إسلاميو تركيا وفشل إسلاميو العرب؟!
جاءت استعادةُ حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات البرلمانية التركية مؤخراً بشكل مُطلق يخوله تشكيل الحكومة بكل أريحية ولوحده على خلاف فوزه بانتخابات حزيران الماضي الذي لم يُمكّنه من تشكيلها حينئذ، لتُعيد التأكيد على أن الإسلاميين الأتراك لا يزالون بصحة سياسية جيدة جداً.
هذا الفوز الساحق تحقق رغم التحديات الأمنية التي تواجهها تركيا بالفترة الأخيرة سواء على صعيد الأعمال الهجومية التي ينفذها المتمردون الأتراك أو تلك التفجيرات بسيارات مفخخة وُجهت أصابع الإتهام فيها إلى تنظيم داعش،، والسؤال الأبرز: ما هو سبب هذا الفوز؟!...هل كان مُفاجئاً؟!.. مالذي تغير حتى يجعل حزب "أردوغان" يًصوب أخطاءه في غضون خمسة أشهر بكل سلاسة تضمن له استعادة الأغلبية في البرلمان ويعوض تراجعه وخسارته التي مُني بها بالإنتخابات السابقة؟
برأيي المتواضع، إن مجيء رجب طيب اردوغان إلى سدة البرلمان ورئاسة الوزراء في مارس عام 2003 كان بناء على صفقة ضمنية بين العلمانيين والإسلاميين مفادها :"الفكر الشخصي يختلف، ولكن الهدف الإستراتيجي واحد وهو الإرتقاء بتركيا العُظمى واستعادة مجدها العثماني". ومن هُنا قام حزب العدالة بعنوانه "أردوغان" بإجراءات ترتقي بالإنسان التركي واقتصاده وتمنيته، حيث شهد الاقتصاد التركي خلال أول عشر سنوات من وصول العدالة والتنمية للحكم في نوفمبر/تشرين الثاني 2002 قفزة نوعية، إذ استطاع الحزب إنقاذ البلاد من واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية، وذلك بعد انهيار الليرة التركية بنسبة 100% وارتفع التضخم إلى مستويات قياسية، حيث وصل إلى 70% وأفلست على إثرها نصف البنوك التركية، ووصلت معدلات البطالة مستويات خرافية.
وهذا النهج الداخلي لحزب العدالة تعزز دون تمييز، فكسب الخصوم والنديين والموالاة في آن واحد، ضمن له أغلبية برلمانية طيلت العقد الأخير، فهو لم يأتي اردوغان وحزبه من اجل الثأر والإنتقام من الخصوم الذين سببوا له أذى ذات يوم، ولا نرجسية استفاد منها قيادات وعناصر حزبه على حساب "تركيا الدولة" ولا "تركيا الشعب". ورغم استئصال اردوغان لخصومه "الناكرين له" سواء من السياسيين أو العسكريين وقيامه بقص أجنحتهم إلا أنه حافظ على نوع من احتواء الخصم وعدم استخدام اسلوب الثأر والإنتقام.
وهذا على النقيض تماماً بالنسبة للإسلاميين في الوطن العربي والذين عنوانهم جماعة "الإخوان المسلمين"، كما حماس في فلسطين، أو الإخوان المسلمين في مصر، أو حزب الإصلاح الإخواني باليمن، على سبيل المثال لا الحصر، فكل منها جاء لينتقم من الخصوم ويستبعده ويُنكره، كما وكرست مبدأ الإستفادة ذاتياً وحزبياً، تحت مبدأ "الأقربون أولى بالمعروف"، ومبدأ "الجميع يتآمر عليها"، فوجدت رداً فعلاً مُضاداً ناكراً لها، فدفع "إخوان فلسطين ومصر" ثمناً سياسياً، وسقط اخوان الإردن شعبياً، واختزل الإصلاح الإخواني اليمني نفسه بالقالب السلفي المناهض لإيران والمدعوم سعودياً.
وعلى الناحية الإيدولوجية، لم يأتي أردوغان ليغير دستور تركيا العلماني، ولم يُغلق "الملاهي الليلة"، ولم يفرض الحجاب، ولم يُلوح او يهدد بذلك كما فعل اسلاميونا بمجرد وصولهم لقبة البرلمان، بل حاول زعيم الإسلاميين الأتراك أن يمزج بين "الإسلاموية" من ناحية و"القومية والوطنية" من ناحية ثانية، على عكس اسلاميينا الذين أنكروا القوميين والعلمانيين وتعاملوا معهم بفوقية تحت مبدأ "الآن دورنا.. لقد أخذتم دوركم، ولم تفلحوا !".
وأما على الصعيد الإقليمي الدولي، فقد دعم حزب العدالة والتنمية ما يُعرف بالاسلام المعتدل المتمثل ب"الإخوان" في بلادنا العربية من اجل المُساندة في "اعلاء شأن تركيا العثمانية"، بمعنى آخر كان ولاء الإسلاميين في تركيا إلى جدهم عثمان، وأما ولاء اسلاميينا كان إلى تركيا وليس إلى عروبتنا وهذه مفارقة كبيرة بين اخواننا واخوانهم.
ورغم انتقادي لأخطاء وسلبية تركيا العلمانية برئاسة الإسلاميين بحقنا بعد ما سُمي ب"الربيع العربي"، والمساهمة في حرب "الوكالة" في سوريا والعراق وليبيا وغيرها، وتكريس التقسيم واضعاف دولنا العربية، إلّا أن اللوم الأساسي في هذا المضمار يُوجه إلى "اسلاميينا" وكل من ذهب ولاؤه لتركيا على حساب بلادنا وقوميتنا ووطنيتنا، فاللعبة الإقليمية تقتضي من أنقرة بعلمانييها واسلامييها أن يبقوا على الإستراتيجية الثابتة وهي الإرتقاء بتركيا وتعزيز نفوذها اقليميا ودولياً من بوابة الإقتصاد والعسكر والسياسية حتى ولو على حساب دولنا العربية وتمزيقها.
وكل ذلك يأتي في إطار التبدلات الإقليمية الأخيرة التي تُؤسس لنظام جديد سيحكم اقليم الشرق الأوسط لاحقاً، وقوامه ثلاث قوى وهي (تركيا، ايران، اسرائيل)، واما العرب فيذهبون في خبر كان بأيدينا نحن، فلماذا لوم تركيا إذاً؟!!