سوناتا القمر

2015-12-01 08:18:16

  سوناتا القمر

قبل أيام نشر صديقي الشاعر طارق العربي على صفحته في الفيسبوك "أريد أن أعرف ماذا نعني بسوناتا القمر! يا أخي حتى شعراء اتحاد الكتاب باتوا يخجلون من ذكر القمر أو طريق القمر أو سوناتا القمر أو دلعونة القمر أو خدوده حتى"، وقد أعجب كثيرٌ من المتابعين والشعراء بطرح العربي حول استهلاكِ المفردات، في حين بقيتُ أتأمّل حكمَ إعدامِ كلمةٍ بهذا الحضورِ البصريّ والجماليّ والنفسيّ في القصيدة، إنه القـــــمــــــــر!
إن ما طرحه طارق العربي وضعني أمام ثلاثة خيارات لقتل القمر، الأوّل أن يختفي القمرُ حقّاً من السماء فيتلاشى دوره في القصيدة مع مرور عشرة أجيالٍ ستفقدُ وعيها القمريّ وعلاقتها بهذا الكائن المثير، أما الخيارُ الثاني وهو أقربُ للفهم، أن تستبدلَ الكلمةُ بأخرى أو أخريات فالمشكلة حسب ما فهمتها أن الذاكرة الصوتية للكلمةِ قد شبعت لهفةً وحنيناً وعواءً وأغنيات، لكنّنا حتى لو أعدنا القمر إلى وصفه المجرّد وقلنا "الكرةُ الفضيةُ المضيئة في السماء"، فإن الكرة والفضة والضوء والسماء جميعها شبعت شعراً وقصائد أيضاً، وأنا لا أعتقدُ أن القمرَ يشكّل أزمةً صوتيةً في وجودِ (شعبان عبد الرحيم).
أما الخيارُ الأخيرُ وهو برأيي السببُ الحقيقيّ لاغتيالِ القمرِ، أنّ الشجرة والموجةَ والوردةَ والقمر تخرجُ حقّاً من مساحةِ التأمّل، وأنّ الإنسان الحديثَ يفقدُ علاقتهُ التأملية مع الوجودِ، ويفقدُ أسئلتهُ للكائناتِ شيئاً فشيئاً، كما يفقدُ دهشتهُ منها لأنه تحوّل إلى عبدٍ حقيقيّ للتكنولوجيا ومحصوراً بالكاملٍ داخل دوائر الخطاباتِ السياسية والدينية، إلاّ المرأةُ ما زالت صامدةً حتى الآن في القصيدةِ بوصفها الحسيّ، وما زالت الشهوةُ متمسّكةً بأفخاذِ النساء وحلماتهنّ داخلَ الجملةِ الشعرية، فقد سئمت القصيدةُ أيضاً عيونَ النساءِ وشعرهنّ، ولا نعلمُ ماذا سيحصلُ غداً إذا سئم الشعراءُ من النهودِ، أقصدُ ما الذي سيبقى صالحاً للتأملِ غيرَ الصواريخ وبروفايلات الفيسبوك وداعش.
أما بالنسبة "لسوناتا القمر"، فهي السوناتا الرابعة عشر لبيتهوفن وهي الأشهر بين اثنتين وثلاثين سوناتا أخرى، قال عنها جوستاين جاردر في رائعته "فتاة البرتقال"، إنها مزجٌ موسيقيٌ للنعيم والجحيم معاً، وأعتقدُ أن شعراءَ اتحادِ الكتاب -حسبَ وصف العربي- لم يستهلكوا بيتهوفن وسيمفونياته أيضاً.
إن القمرَ يخصّني شخصياً، صديقي الذي يستحقّ منّي هذا العواء حينَ (أرى) قهقهاتِ الشعراءِ حول مشنقة صديقٍ كثرت حوله الأساطيرُ والحكاياتُ، وأنا ما زلتُ أسأله أسئلةَ الذئابِ في ليالي الاكتمال (كيفَ تركتني أنزلُ وحيداً إلى هذه الأرض! كيفَ تركتني يا حبيبي)!