" ذراعُ الفوضى وأداة التَّعويدِ على الأسْوَأْ "

2016-01-02 14:04:12

 

للوهلَةِ الأولى يبدو أنَّ هناك ماكينة إعلاميَّة منهجيَّة ضخمة تعملُ على تغذيةِ الفوضى، وتعويد الوعي والذَّوق الإنساني على أنماطٍ جديدة من تقبُّلِ مشاهد العنف والإرهاب واللُّجوء الجماعي القسري من الأوطان الأصليَّة، وتقبِّل كثيراً من المفاهيم الغريبة، الَّتي تمجِّد القوَّة الطَّاغية بكافَّةِ مظاهرها على هامش عمليَّة العولمة الإقتصاديَّة والثقافية لحساب قوى المركز في هذا العالم، وعلى حساب أطرافه الضَّعيفة المُهمَّشة.

يبدو الرِّوائي الأمريكي الشَّهير " دانْ براوْن " ومن خلال رواياته الَّتي تمتاز بخيالٍ واسع يبعَثُ دوماً على الإثارة، لكنَّه في الغالب يستمدُ عناصر رواياته من مُحاكاة الأحداث الواقعيَّة ويَحْبِكُ نسيجَ خياله من واقع صخبِ وتعقيدات الحياة المعاصرة وما فيها من صراعاتٍ بين مراكز القوى في هذا العالم.

في روايته " ملائكة وشياطين " حيثُ تدورُ معظم أحداث الرِّواية في مدينة الفاتيكان وفي أفنيةِ أبنيةِ المدينة التَّاريخيَّة وفي ساحة القدِّيس بطرس ودهاليزها التَّحت أرضيَّة، إذْ يضطَّلِعُ أحدُ السَّفَّاحين الَّذي يتبعُ منظَّمة سرِّية قديمة مناوئة للكنيسة الكاثوليكيَّة بخطفِ أربعَةٍ من الكرادلة ويستعدُّ لقتلِهِمْ تباعاً في يومِ الإقتراعِ على اختيارِ بابا جديد للفاتيكان، وقبلَ ذلك يكونُ ذلك السَّفَّاح حريصاً على إخبارِ إحدى الشَّبكات التِّلفزيونيَّة البريطانيَّة الَّتي تحتفظ بمراسلٍ لها هناك في ساحة حاضرة الفاتيكان بنيَّتِه على قتلِ الكرادلة. تقوم تلك المحطَّة بإيصال القاتل بمراسِلِها، يقول القاتل للمراسل: إنَّني سأطلِعَكَ على أخبار مُثيرةٍ ومعلوماتٍ هامَّة؛ وذلك لعلمي أنَّ " الإعلام يمكنُ أنْ يكون ساعِدَ الفوضى الأيْمَنْ !! ".

باختصار -  ودون الاستطراد كثيراً في سردِ هذا الجزء من أحداث الرِّواية الطَّويلة جدَّاً، حيثُ يحاول " دان براوْن " في هذا الجزءِ لفتَ الإنتباه إلى خطورة عدم تحلِّي وسائل الإعلام بالمسؤوليَّة الأخلاقيَّة والقانونيَّة، وهو أمرٌ قائمٌ فعلاً في كثيرِ من الأحيان، وهو يُجلِّي في هذا المثال روح الطَّمع والجشع المادِّي واستثمار الأحداث على نحوٍ لا أخلاقي من قبَلِ بعض وسائل الإعلام – حيثُ يقوم القاتل بإتاحَةِ الفرصة للمراسل بتصوير شريط فيديو قصير مدَّته ثلاثون ثانيَة لإحدى جرائمه وهو يقوم بقتلِ أحد الكرادلة، ويطلُبُ منه أنْ يُرسِلَ الصُّور على نحوٍ مباشر إلى المحطَّة، يُرسِلُ المراسل مادَّة الشَّريط إلى الشَّبكة التلفزيونيَّة الإنجليزيَّة الَّتي يعمل لحسابِها، والَّتي كانت إدارة تحريرها مُتشَكِّكة تجاه اتِّصال القاتل بها وفي حقيقةِ تجاوب مراسِلِها مع القاتل. هناك تبدو ردَّة فعل إدارة التَّحرير على نحوٍ غريب !!.

يخرُج رئيس التَّحرير من مكتبه، مُعلناً على الفور حالة الإستنفار العامَّة والشَّاملة، ويأمرُ بالتَّالي بتوقُّف كلَّ شيءٍ في قسمِ التَّحرير لحسابِ تغطية الحدَثْ. يقول الرَّجل بحماسة: " إرسال حيّ ومباشر في خمسِ وحدات..استَعِدُّوا لِنَقلٍ مباشِرٍ على الهواء، وانتم أيُّها المُنَسِّقونَ الإعلاميُّون، اُريدكم أنْ تستعدُّوا أيضاً لإجراءِ كافَّة اتِّصالاتكم، لدَيْنا قصَّة للبَيْع !! ولَدَيْنا أيضاً شريط فيديو !! ".

صاحَ أحدُهُم: ما هي مواصفات الفيلم ؟!. أجابه رئيسُ التَّحرير: مدَّته ثلاثون ثانية، ومحتواه جريمة قتل حيَّة !!.
بدا عندها المنسِّقون شديدي الحماسة، وسألوا: وماذا عن ثمنِ بيع الشَّريط والتَّرخيص باستخدامه ؟؟.

أجاب رئيس التَّحرير: مليون دولار أمريكي لكلِّ شبكة.

فرفعَ الجميع رؤوسهم مصدومين وصاحوا " ماذا !! ". لقد سمعتموني جيِّداً، أريد أهمّ الشَّبكات العالميَّة والثَّلاثة الكبار، قدِّموا لهم عرضاً وامنحوهم خمسَ دقائق ليحصلوا على الشَّريط !!.

سألَ أحدُهُم: ولكن ما الَّذي جرى بحقِّ الله ؟! هل سُلِخَ جلد رئيس الوزراء وهو على قيدِ الحياة ؟!.
هزَّ رئيس التَّحرير رأسه قائلاً: بل أفضل من ذلك !!.
- إلى هنا الإقتباس بتصرُّف من رواية ملائكة وشياطين لــ " دان براوْن ".


بالإشارةِ مرَّة أخرى إلى خيال " دانْ براونْ " الخَصب، وأسلوبه اللّاَذع في النَّقد المُبَطَّن، إلَّا أنَّ استخدام الخيال في الوصف والنَّقد، وفي كثير من الأحيان، هو وليدة عناصر موجودة في الواقع المادي أو الوجداني أصلاً. حيث تُبرِزُ الوقائع الَّتي نحياها الآنْ مقدار مساهمة وسائل الإعلام – على نحوٍ محيِّر - في تغذية الفوضى وتعويد النَّاس على مشاهد العنف وتقبُّل الكوارث؛ إلى الدَّرجَةِ الَّتي يسودُ فيها الإعتقاد أحياناً أنَّ ذلك ربما يكون مُمْنْهَجاً ومبرمَجاً على نحوٍ ما، ولخدمَةِ أهدافٍ معيَّنة، ليسَ اقلَّها الحصول على الكسب المادي، من خلال تقديم المواد المثيرة، المتَّصلة بالعنف والكوارث وبالفضائح الماليَّة والأخلاقيَّة والجنسيَّة والقانونيَّة الشَّخصيَّة والعامَّة، بشكلٍ يخلو من روح الشُّعور بالمسؤوليَّة الأخلاقيَّة والإنسانيَّة.

وليسَ بعيداً عن ذلك، تعويد النَّاس على تقبُّل مشاهد الإقتتال والنِّزاعات الأهليَّة والإثنيَّة والطَّائفيَّة، وما يتصل بها، وكنتيجةٍ مباشرة أو غير مباشرة لها، من مشاهد اللُّجوء الجماعي من الأوطان على هامش النِّزاعات التي تجري في المنطقة على سبيل المثال؛ بحيث تُصبح مشاهد القتل والدَّمار واللُّجوء، مشاهد طبيعيَّة في سياق حركة الإضطِراب السِّياسي والإجتماعي، والإزاحة الجذريَّة والإنقلاب السَّلبي لكثيرٍ من المفاهيم والمحرَّمات في الوجدان والوعي الجَمْعي !!.