يا زمان «تويتر» ...

2016-01-03 07:46:00

كانت مجاورتي في مقعد الطائرة سيدة كندية، باغتتني بسؤال عن مدى شعبية «تويتر» وهي تراني ألقي النظرة الأخيرة على «التايم لاين» قبل إقفال هاتفي المحمول استعداداً لإقلاع الطائرة المتجهة من الرياض إلى لندن. وددت لو قلت لها: السعوديون يعيشون في «تويتر». هذا المجاز سيفهمه القارئ الذي يعرف ولع السعوديين بالطائر الأزرق، وأن السعودية وفق الإحصاءات تصدرت الدول، فهي تسجل أعلى نسبة نمو عالمياً من حيث عدد مستخدمي «تويتر» النشطين.

تساهم مواقع التواصل الاجتماعي كما أثبتت دراسات أُجريت في أميركا وأوروبا وكوريا الجنوبية، في رفع مستوى عناصر الثقافة المدنية، مثل التسامح والتقبل والمشاركة. الأبحاث في المجتمعات العربية والإسلامية ما زالت محدودة، ويبدو أن ما يحدث في معظم هذه المجتمعات أمر مغاير. قمتُ مع زميلة لي بدراسة على طالبات الجامعة، ولم نجد أثراً كبيراً لاستخدام مواقع التواصل الاجتماعي في إشاعة التسامح الذي يشير إلى الوئام في سياق الاختلاف، ويُحيل على القبول والتقدير للتنوع الثري للصفات الإنسانية ولثقافات العالم.

هناك دراسة أُجريت في باكستان وأخرى في مصر تقاربت معنا في النتائج. وفي دراسة إماراتية قارنت بين بلدان الخليج والأردن ولبنان، كشف 47 في المئة فقط من السعوديين والإماراتيين عن الانفتاح على وجهات النظر الأخرى جراء استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، مقارنة بـ65 في المئة من البحرينيين و59 في المئة من الأردنيين.

تخضع مواقع التواصل الاجتماعي في المجتمعات التقليدية لأيديولوجية المجتمع نفسه، ما يحدّ من تأثيرها المفترض في تعزيز التسامح. بمعنى أن المستخدمين يُعيدون من خلال هذه المواقع إنتاج أنفسهم، في عملية تدوير نشطة وتغذية مرتدة في ما بينهم، معتمدين على خواص هذه المواقع في الانتقاء والفلترة.

أزعم أن التلفزيون في ما مضى كان أكثر فاعلية من مواقع التواصل الاجتماعي حالياً، في إشاعة التسامح. التلفزيون مهما كانت مثالبه كإعلام تقليدي، يخضع لسياسات واضحة تحدّ من نطاق العنصرية والقبلية والمناطقية. أما «تويتر»، فيدخل في خانة الإعلام الفردي إن صحت التسمية، فالفرد هو من يصنع سياسته الإعلامية، ويضع لها القانون المستمد من ضميره الشخصي وقيمه. أنا من جيل تعرّف منذ صغره على مصر والأردن مثلاً قبل أن يطأ الأرض فيهما، واستلطف تفاصيل اللهجة والأمثال الشعبية، وأحب طقوس الحياة الاجتماعية وطبائع الناس وملامح المدن، من المسلسلات التي واظب التلفزيون السعودي الرسمي على عرضها في أوقات الذروة.

رغم ثورة الاتصال التقني اليوم، وارتفاع مستوى التحديث المادي في السعودية، وصولاً إلى نظيره في الدول الصناعية، ما زال الانفتاح الثقافي الذي يعايشه المجتمع حذراً متوجساً بعد عقود من الممانعة. فالسعوديون يتعرفون إلى التعددية وتباين وجهات النظر، ويتعرضون لكمية هائلة من المثاقفة عبر الإنترنت، لكنهم في الوقت نفسه يحتفظون بذات البنى الذهنية والخرائط المعرفية التقليدية التي تشكلت لديهم عبر التنشئة الاجتماعية. التنشئة التي لم تغرس في العقول عبر مؤسساتها، كالأسرة والمدرسة والجامعة، آليات التساؤل والشك والتفكير النقدي.

الفجاجة في مواقع التواصل الاجتماعي وجبة يومية لا تملك خياراً أمامها. تجد أحدهم ينادي في تدويناته بالحقوق والتسامح والديموقراطية، وفي الوقت ذاته يستخدم عبارات الشتم ذات الطبيعة الطائفية أو المناطقية أو الجندرية عند أول اختلاف. وحين يتعرض للحجب من قبل ضحيته يضج قائلاً: أين حرية التعبير يا هذا؟! سذاجة حتى في فهم قيم الحداثة، أما استدماجها، فذلك من دونه خرط القتاد. وهنا نتذكر أمنية تشومسكي، لو كان الناس يوظفون الذكاء ودقة الملاحظة في تأمل المسائل الفكرية، كما يفعلون في التركيز لإدراك منطق الألعاب الرياضية.

استخدام الأفراد لمواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بالعوامل الشخصية، مثل الحاجات والأهداف والدوافع والمصالح. أي أن استخدامهم هذه المواقع يختلف باختلاف طبيعة ومدى الإشباع الذي يبحثون عنه. هناك من يحاول التغلب على مشاعر الوحدة والعزلة، وهناك من يبحث عن التسلية والمتعة وخفايا الأخبار، وهناك من يصنع من يومياته وأطفاله وكتبه وقهوته شريطاً للصور والذكريات يشارك به الناس. وهناك بيت القصيد، وهو من حوّل هذه المواقع الاجتماعية إلى منصة للتبشير بالآراء والأيديولوجيات، وللدفاع عن الأفكار والرؤى التي يؤمن بها. لا بأس أن يصبح «تويتر» هكذا في المجتمعات العربية التي تتجاذبها التيارات والمتغيرات، وتحتاج إلى مساحات أرحب للتعبير عن الرأي، لكن المشكلة حين يصبح هذا التبشير مترافقاً مع قدر هائل من العنف اللفظي، خاصة في حروب الاستقطاب ذات الطبيعة السجالية أو الأيديولوجية. هل تأملنا كيف تحاور العرب بعضهم مع بعض في مواقع التواصل الاجتماعي، في فورة ما سُمي ثورات «الربيع العربي»؟!

يرى البعض أن العنف اللفظي في مواقع التواصل هو الحالة التي يتم فيها استحضار عناصر ماضوية عن طريق أحد منتجات الحداثة. لكن رأيي أن هذه الكراهية ليست ماضوية، بل هي كراهية حداثية، مقطوعة الصلة بميراث شعراء الهجاء، أو تناحر أهالي البلدات المتجاورة، أو تنابذ الأولاد في الحارة. هي كراهية تبث نفسها في الجدل الدائر حول موضوعات حداثية، كالمواطنة والعدالة والانتخابات وحقوق المرأة. وهي كراهية تتوسل أيضاً أدوات حداثية، كالتغريد و «الرتويت» و «الهاشتاغ» والتفضيل. من قال إن الحداثة في حصن حصين من التشويه؟! أو لنقل: هذا نصيبنا من التمظهر المعطوب للحداثة.

يقف المرء حائراً أمام كم الشتم ونوعه في مواقع التواصل الاجتماعي. عدوان ينبئ عن الضعف لا القوة والسطوة كما يظن البعض. الضعف بمعنى الاستياء من موقع الذات على هامش العالم، وإدراك الزمن وكأنه يمشي في الاتجاه المعاكس. والضعف بمعنى انخفاض أمل المعتدي في العالم الافتراضي، في قدرته على التحكم في الظروف والأحداث المهمة له في العالم الواقعي. العدوان في هذه الحالة يكون سمة عامة في سلوك من يرتاد مواقع التواصل تجاه مخالفيه جميعهم، لكنه يتجه بشكل خاص نحو من يراهم يملكون نوعاً من التأثير ضمن المنظومة الثقافية الاجتماعية، سواء من المثقفين أو غيرهم من شخصيات إعلامية واجتماعية. وسواء كان هذا التأثير حقيقياً أم متوهماً. شخصيات تمتلك أحياناً رمزية ما تُحيل على مرجعيات أخرى، ما يجعل العدوان عليها يؤدي وظيفة التنفيس للمعتدي، وفي الوقت ذاته إيهام متابعيه البسطاء بأن العدوان السهل على شخصيات بلا حصانة، كان نضال الأبطال.

العنف اللفظي في العالم الافتراضي يحلّ محل العنف الجسدي في الواقع، ويؤدي المهمة ذاتها، وهي التخفيف من التوتر الداخلي في أعماق الشخص المحبط. وترتفع درجة العدوان كلما زاد مستوى الإحباط، وكلما زادت نسبة توقع الإفلات من العقوبة. كثيرون يتذمرون من خطاب الكراهية في «تويتر»، متجاهلين أن العدوان إذا لم تكبحه معايير الفرد فلا بد له من كوابح خارجية. تفعيل القوانين ليس حماية للذوات الفردية فقط، وإنما للسلم الأهلي أيضاً. الوصول إلى هذه الحقيقة المبدئية لا يمر من خلال حلّ معادلة رياضية أو بناء نظرية معقدة.

التساهل مع التخوين والتحريض يعني تهيئة المقدمات الطبيعية للعنف الواقعي. اغتيال فرج فودة، محاولة اغتيال نجيب محفوظ، لم تحدث هذه أو تلك بين ليلة وضحاها، بل سُبقت بتمهيد طويل من التحريض اللفظي والعدوان المعنوي المنفلت.

إذا أُعطي المجال للتكفير والتخوين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ترتفع احتمالية الأذى الجسدي الذي قد يقوم به آخرون، لو توافر لهم المناخ، بناء على ما فهموه من الرسائل اللفظية. المعتدي جسدياً سيكون هو «المؤمن الصادق» إذا استعرنا عنوان كتاب إيريك هوفر. الرجل الذي يأخذ على عاتقيه مقولات الكراهية ويذهب بها إلى حدها أو سقفها الأقصى.

* نقلاً عن "الحياة"